تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لحرجا، لم تكن بعيدا من الصواب، ولولا الحرج لما قل العالمون بها، وقل

العاملون في هؤلاء العالمين أو فقدوا.

السواد الأعظم من المسلمين يسلمون بأن تلك الأحكام الفقهية كلها دين إلهي.

ولكن هذا التسليم مبني على أساس التقليد الواهن لا سلطان له على النفس، ولذلك لم

تعمل به، ولما كان الاعتقاد بحرمة الربا اعتقادا صحيحا مؤيدا بنص الكتاب العزيز

ترى أنه يقل في المسلمين من يقدم على أكل الربا، ولا تقل: وكيف يؤكلونه بما

يقترضون، ولا يأكلون بما يقرضون؟ فإنك تعلم أن الاقتراض بالربا لم يرد به

نص الكتاب، وإنما جاء تحريمه في الحديث. وقد يستنبط من الكتاب استنباطا

ومكان ذلك من النفوس دون مكان النص قوة وتأثيرا، ثم إن الضرورة قد تلجئ

المحتاج إلى الاقتراض، ولا ضرورة تلجئ الغني إلى الاقتراض، فإن كان الفقيه لا

يرى تلك الضرورة صحيحة شرعا فإن المقترض يراها صحيحة، وهو مسوق

للعمل بما يرى ويعتقد دون ما يرى غيره، ولا ينفك خاصة الناس وعامتهم يجتهدون

فيما يعرض لهم، ويعملون باجتهادهم مهما ضيقت مقلدة الفقهاء في منع الاجتهاد،

ولا يمنع ذلك أن يكون التقليد هو الغالب عليهم.

لولا التقليد لوجد المسلمون المخرج في شريعتهم من كل حرج وعسر، فإن

من قواعدها الأساسية في نص الكتاب: نفي الحرج والعسر في الأحكام وإرادة اليسر

فيها. قال تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ (المائدة: 6) وقال:

﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: 185) وفي الحديث (لا

ضرر ولا ضرار) رواه مالك في الموطأ مرسلا وأحمد، وقال الحاكم: صحيح

على شرط مسلم، ومن ثم كان من قواعد الفقه أن المشقة تجلب التيسير وأن

الضرورات تبيح المحظورات، وأنه إذا ضاق الأمر اتسع.

يقول كثير من أهل الرأي: إن العسر المالي الذي مدت في البلاد أطنابه،

وضربت في أرضها أوتاده، ويخشى أن يصير شره المستطيل مستطيرا، فيجعل

ثروة الأمة هباء منثورا، يمكن مقاومته بإنشاء بنك وطني ينتزع بأيدي أغنياء البلاد

بعض ما عليه ماليو الأجانب من الأثرة والاستبداد، والتحكم في معايش العباد،

فقام في وجوههم آخرون يقولون: إن دين الإسلام لا يسمح لأهله بأن ينشئوا لهم

بنكا؛ لأن البنوك هي بيوت الربا كل معاملاتها أو جلها بالربا، فرد ذلك بعض

المقترحين قائلا: إن البنك الذي نقترحه ليس من نوع بنوك الصيارف التي تنشأ؛

لأجل الإقراض بالربا الفاحش أو غير الفاحش. وإنما هو من نوع البنوك الكبرى

التي هي واسطة بين أرباب الأموال في مداولتها بينهم بقبول حوالة هذا، وتحصيلها

من ذلك بأجرة معينة، وإيصال ما يريد إرساله أهل بلد إلى آخر بأجرة أيضا،

وليس هذا من الربا المحرم علينا بالنص، ولا نريد بنكا أكثر من هذا. قال بعض

المعترضين: إننا نشك في كون هذا ليس من الربا المحرم، وإننا نطلب من العلماء

بيان ذلك.

لجأوا إلى العلماء المعروفين بالفقهاء، وباب الربا عندهم أوسع من الأرض

والسماء، فإنه يطلق عندهم على جميع البيوع الفاسدة، والمعاملات المالية التي لا

تنطبق على الشروط المدونة. وباب الاجتهاد عندهم مقفل، بل مسدود والفتوى

بالقواعد العامة: كمراعاة المصالح، وتقدير الضرورات من عمل المجتهد المفقود.

على أن الحلال بين والحرام بين، والرجوع إلى النص وآراء المجتهدين

أمر هين وإن كانوا يريدون من العلماء إقناع العوام، لا معرفة الحلال والحرام،

فما هم بمدركي فتوى رسمية ولا حيلة فقهية.

هذه مسألة من أكبر المصالح العامة التي ينبغي أن تنظر فيها الجماعة، المعبر

عنها في الكتاب بأولي الأمر؛ أي: أصحاب الشأن في الأمة؛ ليستنبطوا حكمها

بمقتضى قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين

يستنبطونه منهم} (النساء: 83) وليس أصحاب الأمر هم الملوك والأمراء ولا

طائفة الفقهاء؛ إذ لم يكن مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند نزول الآية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٧٤