صحيح المتن، فإن بعض الذين يتعمدون وضع الحديث كانوا لحذرهم من نقد
صيارفة المحدثين يظهرون الورع، ويتحرون الصدق، وقد تاب بعضهم فاعترفوا
بذلك، ولذلك جعل المحدثون للحديث الموضوع علامات، منها ما يتعلق بمتنه
كركاكة الألفاظ أو المعاني، ومخالفة نصوص الكتاب أو السنة المتواترة، ومخالفة
العقل، كما قالوا في حديث طواف سفينة نوح بالبيت على أن سنده غير مرضي
كمتنه. فمن كان ذا بصيرة نيرة في الدين وعلم بمقاصده، يمكنه أن يعرف الحديث
الموضوع، وإن قالوا بصحة سنده. ولكن لا يقبل قوله إلا بدليل معقول.
وأما السؤال الخامس: فجوابه أن من تقبل روايته هو من يوثق بحديثه
وإن لم يكن معصوما، فإن ذلك القائل يعلم بالضرورة أن من الناس العدل الثقة
الصدوق، وإن لم يكن معصوما ومنهم الفاسق الكذوب، وأنه يثق بخبر الأول دون
الثاني، فكيف يجعل مع هذا رواية هذا كرواية ذاك؟ هل يستوي الصادقون
والكاذبون؛ لأن كلامهما غير معصوم؟ وغاية ما يترتب على عدم العصمة أن يكون
خبر الصدوق غير المعصوم مفيدا للظن لا لليقين، وهذا ما اتفق عليه العلماء في
أحاديث الآحاد، ولذلك قال المحققون: إنه لا يحتج بها في المسائل التي يطلب فيها
اليقين كمسائل الاعتقاد.
وأما السؤال السادس: فجوابه: أن ما ذكر السيوطي مذكور في بعض الكتب
ولكن لم يرو عنه بأسانيد صحيحة متصلة أنه ادعى ذلك، ولو روي كذلك لم يكلف
أحد تصديقه، ومن صدقه لا يجوز له أن يأخذ بتصحيحه لتلك الأحاديث؛ لأن هذا
من قبيل الكشف، وقد علمت أنه لا يعتمد عليه، وقد ادعى كثيرون رؤية النبي
صلى الله عليه وسلم في اليقظة، فأنكر عليهم بعض العلماء وسلم لهم آخرون، ولا
يقول أحد من هؤلاء ولا من أولئك بأنه يجب على أحد أن يؤمن لهم، ويأخذ
بدعواهم.
ولهم في هذه المسألة كلام كثير في الرؤية الخيالية وغير الخيالية، وقد عرفنا
نحن غير واحد من الصوفية الذين يدعون رؤية الأرواح ومخاطبتها، ومنهم من قال:
إنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أحاديث كثيرة من الجامع الصغير
للسيوطي فأنكرها - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا نسمع عنهم التناقض في الكشف
وفي رواية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهل يصح أن نحكمهم في الحديث حتى
مع التسليم لهم؟ ؟ لا لا.
وأما السؤال السابع: فهو من الحكايات التي يتناقلها الناس، وليس لها رواية
يوثق بها، ومعناها كما ترى صريح في أن حجة الغزالي أقوى من حجة كليم الله،
وهو في جوار الله فحسبنا الله.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">