تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجاري عليها العمل في القياس. ولكن إن قدرنا عدمه، فنقول: إن هذه الحكايات

عن الأولياء مستندة إلى نص شرعي، وهو طلب اجتناب حزاز القلوب الذي هو

الإثم، وحزاز القلوب يكون بأمور لا تنحصر، فيدخل فيها هذا النمط، وقد قال

عليه السلام: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك) فإذا لم

يخرج هذا عن كونه مستندا إلى نصوص شرعية عند من فسر حزاز القلوب

بالمعنى الأعم الذي لا ينضبط إلى أمر معلوم.

ولكن ليس في اعتبار مثل هذه الأمور ما يخل بقاعدة شرعية، وكلامنا إنما

هو في مثل مسألة ابن رشد وأشباهها، وقتل الخضر الغلام على هذا لا يمكن القول

بمثله في شريعتنا ألبتة، فهو حكم منسوخ، ووجه ما تقرر أنه إن كان ثم من

الحكايات ما يشعر بمقتضى السؤال، فعمدة الشريعة تدل على خلافه، فإن أصل

الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير

عموما أيضا، فإن سيد البشر - صلى الله عليه وسلم - مع إعلامه بالوحي، يجري

الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك

بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه.

(ولا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال خوفا أن يقول الناس: إن محمدا

يقتل أصحابه، فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به، فلا حرج لأنا

نقول هذا من أدل الدليل على ما تقرر؛ لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ

ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح

ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر، بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر

وران على الظواهر وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة، ألا ترى إلى باب

الدعاوى المستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولم يستثن من

ذلك أحد، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم - احتاج إلى البينة في بعض ما

أنكر فيه، مما كان اشتراه فقال: (من يشهد لي) حتى شهد له خزيمة بن ثابت،

فجعلها الله شهادتين فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكبر الناس على أصلح الناس،

لكانت البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهذا من ذلك والنمط واحد،

فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية، ومن هنا لم يعبأ

الناس من الأولياء وغيرهم بكل كشف أو خطاب خالف المشروع، بل عدوا أنه من

الشيطان، وإذا ثبت هذا فقضايا الأحوال المنقولة عن الأولياء محتملة، وما ذكر من

تكليم الشجرة فليس بمانع شرعي، بحيث يكون تناول التين منها حراما على المكلم

كما لو وجد في الفلاة صيدا فقال له: إني مملوك وما أشبه ذلك.

لكنه تركه لغناه عنه لغيره من يقين الله أو ظن طعام بموضع آخر أو غير ذلك،

وكذلك سائر ما في هذا الباب، أو نقول: كان المتناول مباحا له فتركه لهذه العلامة،

كما يترك الإنسان أحد الجائزين لمشورة أو رؤيا، وغير ذلك حسبما يذكر بعد بحول

الله تعالى، فكذلك نقول في الماء الذي كوشف: إنه نجس أو مغصوب، وإذا كان له

مندوحة عنها بحيث لا ينخرم له أصل شرعي في الظاهر، بل يصير منتقلا من جائز

إلى مثله فلا حرج عليه، مع أنه لو فرضنا مخالفته لمقتضى ذلك الكشف؛ إعمالا

للظاهر واعتمادا على الشرع في معاملته به فلا حرج عليه ولا لوم؛ إذ ليس

القصد بالكرامات والخوارق أن تخرق أمرا شرعيا، ولا أن تعود على شيء منه

بالنقض، كيف؟ وهي نتائج عن اتباعه فمحال أن ينتج المشروع ما ليس بمشروع أو

يعود الفرع على أصله بالنقض، هذا لا يكون ألبتة، وتأمل ما جاء في شأن

المتلاعنين، إذ قال عليه السلام: إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان، وإن جاءت

به على صفة كذا فهو لفلان، فجاءت به على إحدى الصفتين وهي المقتضية

للمكروه، ومع ذلك فلم يقم الحد عليها، وقد جاء في الحديث نفسه: (لولا الأيمان

لكان لخولها شأن) ؛ فدل على أن الأيمان هي المانعة، وامتناعه مما هم به، يدل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٤٦