المتصوفة من أوراد وأحزاب وصلوات، كما يفعل الوهابيون في منعها حتى أقلها
ابتداعا للصيغ "كدلائل الخيرات " فحسبنا كتاب الله وأذكاره، وما أثبت حفاظ السنة
من أذكارها المجموعة في مثل كتاب الحصن الحصين والأذكار للنووي، نعم إنه
يوجد في بعض ما اخترعه الصوفية ما لا يخالف النصوص، ولكن المأثور خير
منه، وإقراره يقتضي قبول غيره مما هو مخالف لها، ومنه ما ادعى مبتدعوه أنه
موحى به من الله تعالى ومتلقى عن رسوله صلى الله عليه وسلم في اليقظة، كما
رأيت في رسالة الفاضل الأزهري عن كتب التجانية، ومن ذا الذي يميز بين
الموافق للنصوص وقواعد الشريعة والمخالف لها؟ فالفتنة لا ترتفع إلا بمنعها كلها.
إن الدجال التجاني -بل الجاني على الإسلام والمسلمين - وأمثاله من المتصوفة
الخرافيين، قد رأوا دعوى الكرامات أنجح الوسائل لتأسيس المجد الدنيوي، أي
الجاه الذي هو ملك القلوب، والمال الذي هو ملك الأعيان، فتوسلوا بها فوصلوا
إلى ما وصلوا إليه من اتخاذهم آلهة يعبدون، وأربابا يشرعون فيتبعون، ولو لم
يسكت لهم علماء الشريعة على منكراتهم لما وصلوا في إفسادهم إلى هذا الحد: حد
طبع الكتب المفسدة للعقائد ونشرها بين المسلمين، وعدها من كتب الدين، بل
يوجد في كبارهم من هم أشد خضوعا للخرافات من العوام، وقد أخبرني الثقة أن
أحد كبار علماء الأزهر نظم قصيدة يشكو فيها للسيد البدوي سعاية بعض أعدائه
لإغضاب أمير البلاد عليه، ويطلب منه إنقاذه من شر هذه السعاية، وإرضاء قلب
الأمير عليه!
كان يجب على علماء الأزهر أن يؤلفوا جمعية دائمة لنقد الكتب التي تنشر
بين الناس، ولا سيما الكتب التي تمس الدين وتخالف عقائده أو آدابه وأحكامه،
وتبين للناس ما فيها من ضلال وتحذرهم منه، ولكننا نجد الكثيرين من المنسوبين
إلى الأزهر يدافعون عن أمثال هذه الكتب وأهلها، ويردون على المصلحين الذين
ينكرون عليها، ولا يزال بعضهم يصد عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ويطعن
فيمن يسمونهم الوهابية، فإذا لم ينهض الأزهر لمكافحة الدجل والخرافات، وتحذير
المسلمين من بضائع معامل (فابريكات) الكرامات، فستكون عاقبته وعاقبة أهله
في مصر، كعاقبة معاهد الدين ورجال الشرع في الترك.
-----------------
<span class="footnote">
(1) أي محمد النظيفي.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">