تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوجدان فإذا الإنسان أجفى ما لديه الأقرب فالقريب فالبعيد فالأبعد؟

ألا إن الاتحاد ثمرة لشجرة ذات فروع وأوراق وجذوع وجذور هي الأخلاق

الفاضلة بمراتبها، فعلى المسلمين إذا أردوا الاتحاد أن يربوا أنفسهم تربية إسلامية

حقيقية ليجنوا تلك الثمرة، وبغير ذلك كل أمل باطل، وكل الأماني أحلام أو أوهام

وكل احتجاج بغير سعي عجز.

الناس في كل الأمم أكفاء في التمثيل ولا نقص في الدنيا إلا من جهة العقول

والأخلاق وهي لا تكمل إلا بالتربية، وما وراء ذلك من العلوم لا يبث فينا غير

اللقلقة والهذيان.

وإن الجمعية الخيرية الإسلامية قد شرعت في طريقة ابتدائية للتربية، ولديها

أمل أن تصل إلى الطريقة الانتهائية، طريقة العمل لا طريقة العلم المعيبة التي

نرى مثالها في الذين يأتون إلينا كأساتذة عندما نعلن عن حاجتنا لمعلمين وليس لديهم

ما يؤهلهم للتربية والتهذيب، ولست أقول ذلك قدحا في طريقة التعليم الجارية بين

ظهرانينا، ولكنني أقول بالإجمال: إنها غير ملائمة لمنهاج جمعيتنا التي تحسب أن

تصلح شؤون الناشئين من الطبقات النازلة.

نحن نتمنى تربية بناتنا، فإن الله تعالى يقول: {ولهن مثل الذي عليهن

بالمعروف} (البقرة: 228) ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ (الأحزاب: 35) الآية، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تشرك الرجل

والمرأة في التكاليف الدينية والدنيوية، فكان بذلك ترك البنات يفترسهن الجهل،

وتستهويهن الغباوة من الجرم العظيم.

انظروا إلى المرأة حين تقول لابنها مثلا إذا أرادت أن تمنحه شيئا: خذ هذا

وأخفه عن الأعين حتى لا يراك أخوك، فكم من نقيصة علمته بمثل هذا القول؟

علمته ثلاث خصال هن الموبقات المهلكات: الأثرة والدناءة والسرقة، وربما

توصيه بإنكار ما أعطته إذا سأله أخوه، فتعلمه بذلك أقبح خصال السوء والفساد

وهو الكذب، وقد لا يتعلم الطفل عندما يراد تمرينه على النطق والكلام غير ألفاظ

السباب والشتائم القبيحة، فيشب الطفل متعودا على أن تلفظ شفتاه كل كلام قبيح،

لا يعبأ بماذا ينطق ولا يبالي بما يقول.

وإنني أذكر حديثا شريفا أو أثرا بمعناه هو: (إن الرجل لينطق بالكلمة لا يرى

لها بالا فيهوي بها في النار أربعين خريفا) [2] .

فتأملوا في فظاعة الأخلاق التي يشب عليها أبناء وبنات العامة من الأمة، ولا

خلاص لنا من هذه الورطة الشنيعة إلا بالتربية الكاملة الشاملة للأبناء والبنات، وأن

النساء الجاهلات والرجال الجاهلين لا يمكن أن تتكون من بينهم أمة ولا جمعية

وعلى الخصوص إذا أصبحت العلائق والروابط الطبيعية مهدة بين الناس كما

نشاهده بيننا الآن.

ولقد استنتجت بالاستقراء منذ كنت قاضيا في إحدى المحاكم الجزئية أن نحو

(75) في المائة من القضايا بين الأقارب بعضهم مع بعض بما لم يحمل عليه غير

التباغض وحب الوقيعة والنكاية، فهل من المعقول أن يكون الفساد في العلائق

الطبيعية إلى هذا الحد من التصرم، ونتساءل عن تصرم العلائق الوطنية؟ هل

يمكن بعد أن نفقد الروابط الضرورية بين العائلات أن نبحث عن الروابط للجامعة

الكبرى، أو ليس هذا كمن يطلب الثمر من أغصان الشجر بعد ما جذ أصولها

وجذورها، وقطع أوصال عروقها، وغادرها قطع أخشاب يابسة.

اللهم إن كنا نريد الحياة الطيبة والسعادة الدائمة فلنعمل لإصلاح شؤون

الناشئين بالتربية المثقفة المهذبة، ولنجهد أنفسنا في طريق استكمال الأخلاق

الفاضلة، وكلما زدنا في سبيل ذلك سعيا توفر لدينا حب تعضيد هذه الجمعية ونمت

ثروتها، فأدت وظيفتها للأمة كما ينبغي، ونسأل الله أن يصلح ما بيننا من فساد،

وأن يوفقنا جميعا إلى ما به نجاحنا وفلاحنا وسعادتنا. اه.

(المنار)

في هذا الخطاب حجة على المفسدين المقطعين لروابط الأمة بدعوتها إلى ترك

الزي الوطني وتقليد الإفرنج حتى في لبس البرنيطة وحرية الفسق والفجور.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣١٦