تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الآلة الأساسية لتنقية الدم إنما هي الهواء، فإنه إذا عاد إلى الرئتين بعد

دورته الكاملة في الجسم، عاد غير طاهر، أي مشتملا على عناصر سامة ولكن

(الأكسيجين) الذي نستنشقه من الهواء ينفذ فيه فيطهره وينقيه، كما أن

(النيوتروجين) يجذب السموم ويخرجها بالزفير، وهذا العمل لا يزال جاريا ليلا

ونهارا بلا انقطاع، وبما أن الهواء يؤدي وظيفة مهمة جدا في الجسم، يحسن بنا

أن نفرد له بابا منفصلا.

***

الباب الثالث

الهواء

قوام حياة الإنسان ثلاثة أشياء: الهواء والماء والغذاء، أما الهواء فأهمها

جميعا؛ ولذلك خلقه الله بمقدار عظيم جدا، وبثه في كل مكان ليحصل عليه جميع

الناس بلا ثمن، غير أن المدنية الحاضرة قد جعلت حتى الهواء النقي غاليا لا ينال

إلا بالثمن، وذلك لأننا نضطر للحصول عليه إلى أن نذهب خارج المدن، وهذا

يقتضي شيئا من النفقة، فسكان بمباي مثلا يجدون الهواء النقي في (ماتهيرن)

وأحسن منه في تلال (مالابار) ، ولكنهم لا يستطيعون أن يذهبوا إلى هذه الأماكن

بدون إنفاق المال، ولذا يصعب القول بأن الهواء النقي ينال مجانا في العصر

الحاضر كما كان الحال في العصور القديمة.

وسواء وجدنا الهواء مجانا أو بثمن فإنا لا غنى لنا عنه ألبتة، لقد رأينا آنفا

أن الدم يدور في الجسم حتى يصل إلى الرئتين، وبعد أن يتطهر فيها بالهواء يعود

إلى دورته ثانية، فنحن نخرج الهواء الفاسد بالزفير، ونستنشق الأكسجين من

الخارج بالشهيق وهو الذي يطهر الدم، وهذا العمل للزفير والشهيق يسمى التنفس

ولا يزال مستمرا دائما، وعلى استمراره وحده تتوقف الحياة. إن الغريق يموت

لأنه لا يستطيع في داخل الماء أن يخرج الهواء الفاسد ويستنشق الهواء النقي،

وأما الغواص الذي يغوص في الماء ويبقى فيه زمنا، فذلك لأنه يحمل معه ما يسمى

(بجهاز الغواص) فيتنفس بأنبوبة يتصل أحد طرفيها بالجهاز ويبقى الآخر فوق

الماء فهو يحصل بها على الهواء النقي، ويستطيع أن يبقى في الماء وقتا طويلا.

لقد أثبتت التجارب أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بدون الهواء أكثر من خمس

دقائق، وكم نسمع بالأطفال الذين يموتون في أحضان أمهاتهم، فإن الأم الجاهلة

تضم الطفل إلى صدرها ضما شديدا حتى ينقطع عنه الهواء فيختنق في مكانه!

وبهذا تعلم شدة حاجة الإنسان إلى الهواء، وإنا على كل حال نجده بدون أن

نبحث عنه هنا وهناك خلافا للماء والغذاء، فإننا لا نجدهما إلا بالبحث والسعي.

إن التنفس في الهواء الفاسد مكروه ومستقبح مثل شرب الماء الكدر، وأكل

الطعام الوسخ، ولكنا تعودنا أن نتنفس في الهواء الفاسد، الذي هو أكثر فسادا من

الشراب والطعام. نحن كلنا بالحقيقة عبيد الظواهر، فكل ما نراه ونحس به نهتم به

أكثر بكثير مما لا نراه ولا نحس به، وبما أن الهواء مما لا يرى بالعين فلذلك لا

نبالي بمعرفة الفساد الذي يجلبه علينا الهواء الفاسد، نحن نشمئز من تناول الطعام

الذي أكل منه إنسان غيرنا، وشرب الماء الذي أفسده غيرنا بإدخال شفتيه فيه،

حتى إن أولئك الذين ليس لهم حس من التقزز أو الكراهة لهذا يستنكفون أن يأكلوا

ويشربوا القيء مهما جاعوا وعطشوا، بل يفضلون الموت على أن يفعلوا ذلك،

ولكن ما أقل أولئك الذين يفهمون حق الفهم أن الهواء الذي يستنشقونه قد يكون أكثر

الأحيان فاسدا مسموما بما مجه الآخرون فيه بتنفسهم، وليس بأحسن حالا من القيء،

ومما يتعجب منه أن الناس يتجالسون وينامون مجتمعين ساعات طويلة في حجر

ضيقة، ويتنفسون في هوائها القتال الذي قد أفسدوه هم وأصحابهم! ما أسعد حظ

الإنسان في أن الهواء خفيف ومنبث إلى هذا الحد، وصالح للنفوذ من أضيق المنافذ!

حتى إذا غلقت الأبواب والنوافذ بقي ينفذ إلى الداخل من بعض المنافذ الضيقة،

التي تبقى على كل حال بين الجدران والسقوف، لكيلا يتنشق المجتمعون في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣١١