في المؤتمر السوري العام الذي قام بأمر استقلال سورية ووضع القانون الأساسي لها،
ثم في الدولة التركية بإلغاء خلافتها، ثم تشريعها الإسلامي حتى في الأحكام
الشخصية وإبطال محاكمها الشرعية وتعليمها الديني، ثم اضطهاد كل من يدعو إلى
الدين الإسلامي أو يدافع عنه.
هذا، وإننا قد خبرنا بأنفسنا أن سياسة نصارى سورية ولبنان الوطنية قد
تغيرت لنا منذ أوائل العهد بالحرب الكبرى؛ إذ اعتقدوا أن الدولة العثمانية ستخسر
نفسها أو بلادها العربية (على أقل تقدير كما يقال) وقد عقدنا في مصر اجتماعات
كثيرة للبحث في مستقبل البلاد السورية علمنا أنهم يطلبون (أولا) تأسيس دولة
مسيحية في سورية ولبنان (وثانيا) حماية دولة مسيحية قوية لها ولسائر البلاد
السورية.
ثم جرى العمل على هذا بعد الحرب، فرأينا جميع المساعي دينية يقودها
رجال الدين المسيحي، فكان غبطة بطرك الموارنة هو النائب السياسي عن لبنان
الصغير ثم عن لبنان الكبير، حتى حملوه على السفر إلى فرنسة المرة بعد المرة
على ضعفه وعتي شيخوخته، ولا يزال كذلك. ورأينا فرنسة قد ضمت إليه من
بلاد سورية ذات الأكثرية الإسلامية جميع سواحلها المجاورة له، وجزءا عظيما من
داخليتها العامرة، وراعت في ذلك أن يكون أكثر مجموع أهله من النصارى
لتكون السلطة في أيديهم، ورأيناهم بعد هذا كله يسيرون في انتخاب المجلس
التمثيلي للبلاد على قاعدة عدد الطوائف الدينية، ويسمونها (الطائفية) .
انقلب الوضع وانعكست القضية، فكلما اشتد استمساك النصارى بالسياسة
الدينية أعرض المسلمون عنها، واستمسكوا بالسياسة اللادينية حتى إن بعض علماء
المسلمين الشرعيين ومنهم مفتي الشام رضوا بأن يكونوا أعضاء لإدارة التعليم
اللاديني، ونرى الجرائد الإسلامية تستنكر كل عمل في الحكومة يفرق فيه بين
أبناء الوطن باختلاف أديانهم ومذاهبهم، فقد نال الأجانب ما سعوا له من حل رابطة
المسلمين الدينية، وصرفهم عن تشريعهم وسلطانه بإقناعهم أن الجامعة الوطنية خير
لهم من الجامعة الدينية، حتى إذا ما قنعوا قلبوا هم وبعض أعوانهم من نصارى
الوطن لهم ظهر المجن، فالفرنسيس والإنكليز هم الذين يمنعون السوريين بالقهر أن
يكونوا أمة بالوطنية، وأن تكون لهم حكومة وطنية، اللهم إلا حيث تكون الغلبة
وعزة الكثرة للمسلمين وحدهم، فحينئذ يقهرونهم على أن يساووا الأقلية الصغرى،
بل أن يعطوها أكثر مما تستحق أضعافا.
الفرنسيس أعطوا صنائعهم وربائبهم نصارى جبل لبنان ما هو أكبر وأعظم
من جبلهم من بلاد الأكثرية الإسلامية بالرغم من أنوف أهلها، ولم يرضوا أن
يجعلوا بقية سورية المحمدية دولة واحدة؛ لئلا تكون أكبر من (لبنان الكبير)
فجعلوها دولا متعددة بحسب المذاهب، حتى حاولوا جعل الدويلة التي خصوها باسم
سورية دولتين دمشقية وحلبية؛ لأن السواد الأعظم من سكانها هم أهل السنة،
وطالما أغروا أهل حلب بطلب الاستقلال، ويزعمون أنهم بذلك يراعون رغبة أهل
البلاد وحريتهم لأن فرنسة أم الحرية وحاميتها، يعني بشرط أن تكون لغير
المسلمين، أو لغير مصلحة المسلمين، ثم تدعي مع هذا أن العداء بين الطوائف
الدينية في سورية هو من مساوئها الراسخة، ولا علاج له إلا خضوع الجميع
لسلطان فرنسة العادل الذي يقيم ميزان القسط بين الجميع، والحق أن فرنسة لو
أرادت أن يتفق السوريون أو لو تركت السوريين وشأنهم لاتفقوا، إلا أن تغري
بينهم دولة أخرى مثلها كإنكلترة، ولا ينجح الإغراء حيث تكون الكثرة الساحقة
للمسلمين كما هو ظاهر في مصر وفلسطين وسورية الداخلية، وقد حققنا هذه
المسألة منذ 29 سنة في مقال طويل في التعصب نشرناه في السنة الأولى من المنار.
أنا لا أريد بكتابة هذا الآن الانتقاد المحض على عمل فرنسة، فإنه لا فائدة
فيه، ولا إعلام مسلمي سورية به، فإنهم يعلمون من تفصيل ما أجملت ما لا أعلم،