فكل ما اتهم به ساسة أوربة أهل الشرق - من جوامع وطنية وقومية ودينية وشرقية
عامة - كان باطلا فأصبح حقا، هم خلقوه خلقا وهم يربونه جهلا منهم وحمقا، فقد
حبا حبوا، ثم مشى مشيا، وهم يأبون عليه إلا أن يعدو عدوا، وسيعدو طوعا أو
كرها.
كلما صرخ مكلوم أو صاح مظلوم من جورهم واضطهادهم له في قومه وعقر
داره استعدوا عليه أوربة كلها والولايات المتحدة الأميركية أيضا: يا للغرب من
الشرق! إن الحضارة الغربية على خطر، إن نصارى الشرق على خطر، إن
سيادة الجنس الأبيض في الشرق على وشك الزوال، إن السلمين يريدون حكم
القرآن، فالغوث الغوث، هذا آن التناصر والتظاهر، هذا وقت التحالف
والتكانف ... كما قالوا في مسألة الريف المغربي واتهام الأمير محمد عبد الكريم
بإحياء منصب الخلافة، ولم يستحيوا من جعل ثورة سورية إسلامية أيضا، بل هم
يقولون ذلك ليجعلوها إسلامية، ولو أراد الثوار جعلها جنسية أو إسلامية لوجهوا
دعوتها إلى جميع العرب المجاورين لهم، ولا سيما الوهابية أولي العصبية الدينية
الحقيقية، ولو استنصروهم في الدين بأدلة الدين لنصروهم، ولعجزت السياسة
أن تحول دون نصرهم لهم، ولكانت الطامة الكبرى على المتعصبين على الإسلام
والمسلمين من أهل وطنهم، ولظهر لفرنسة أن هذه السياسة العتيقة لم تعد صالحة لهذا
الزمان، وأن مودة المسلمين الصحيحة خير لها في سورية ولبنان.
***
(7)
السلطان الديني بين الإسلام والنصرانية
قضى علي الاستطراد أن أكتب هنا كلمة وجيزة في هذه المسألة بعد أن كنت
أنوي ترك الإلمام بها فأقول:
من المعلوم من الدين بالضرورة عندنا أن الإسلام دين سيادة وسلطان وتشريع،
ومن المعلوم عن أوربة وأعوانها في الشرق ذم الجمع بين الدين والحكم،
ووجوب الفصل بين الدين والسياسة، ووجوب نسخ الجامعة الدينية بالجامعة
الوطنية، وقد راجت هذه الدعاية الأوربية في الشرق العربي بأقلام محرري
الجرائد العربية من أبناء وطننا السوريين واللبنانيين المسيحيين، حتى صارت من
المسلمات عند الجماهير من المسلمين في سورية ومصر وغيرهما من البلاد العربية،
دع إلقاء بذورها وغرس فسيلها في المدارس العصرية في الشرق كله من مسيحية
ورسمية، حتى في البلاد التركية والإيرانية، وقد بلغ من أخذها بالتسليم في مصر
أن بعض مسلمي الإسكندرية كانوا أنكروا على المنار بعض ما كتبه في شأن الدولة
العثمانية وسلطانها، فرغبوا إلى الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى - أن يكلمني في
ترك مباحث السياسة في المنار؛ لأنها مجلة دينية، فقال لهم: وإذا قال لي إن
الإسلام دين سياسة فماذا أقول له؟
نعم راجت هذه الدعاية في البلاد الإسلامية ذات الحكومات الإسلامية من
عربية وعجمية فكان الغبن والغرم فيها على المسلمين والغنم لغيرهم، وقد بلغ من
تأثيرها أن تجرأ رجل من اللادينيين معمم متخرج في الأزهر وقاض في محكمة
شرعية على تأليف كتاب مستقل في الدعوة باسم الإسلام إلى جعل الحكومة فيه
(لا دينية) وإنكار التشريع الديني والإمامة الإسلامية العظمى، والطعن فيها،
وأيدته في ذلك أكثر الجرائد التي تسمى إسلامية كالجرائد الإفرنجية سواء.
بثت الدعاية إلى الحكومة اللادينية في مصر كما بثت في الدولة العثمانية،
وصرح بعض الملاحدة عندنا بالدعوة إلى التصريح بذلك في الدستور المصري قبل
أن يفعل الترك ما فعلوه بخلافتهم، ولا فرق بين الفريقين كما قلنا من قبل، إلا أن
اللادينيين من الترك هم قواد الجيش وأصحاب السيوف والمدافع، وأن اللادينيين
من المصريين لا قوة لهم إلا في ألسنتهم وأقلامهم؛ لأن القوة الحربية في مصر في
يد الإنكليز وحدهم، وهم ردء لهؤلاء اللادينيين؛ لأنهم يعملون لهم في ظلمهم،
ولولاهم لقضى عليهم الرأي العام الإسلامي على ضعفه، وهم لا يشكون أن
سيقضون عليه.
وأما تأثيرها العملي في سورية فكان أول مظاهره نجوم الأفكار (اللادينية)