للدلائل العقلية، وللوجدانات القلبية، وينقادون بالمسلمات المثالية والتخيلات
الشعرية، فتغلب عليه المعنويات، كما استحوذت على الأوربيين الماديات، وأن
المبالغة في الأمرين، مما يعد من عيوب الفريقين.
وقد كان مما انتهى إليه فساد ضعف الشرقيين الاجتماعي والسياسي واستذلال
الاستبداد لهم أن تحول عشقهم للفضائل والكمالات والمجد الصحيح إلى الرضا منها
بالمجد الكاذب والكمال الصوري أو الوهمي، وقد نبه بعض عشاق فرنسة من
وجهاء الموازنة بعض مندوبيها السامين إلى هذا النقص، ونصحوا لهم بأن يراعوه
في إدارة البلاد؛ ليتم لهم أمر السيادة فيها بسهولة وتكون راضية عنهم.
حدثني حبيب باشا السعد المشهور عن نفسه أنه قال للجنرال غورو: إننا
نحن الشرقيين نحب المجد الكاذب، فولونا أعمال البلاد الرسمية، واكتفوا بوضع
مستشارين ومراقبين منكم معنا، يرشدون رؤساء الموظفين إلى ما تريدون منا،
ونحن ننفذه لكم بأحسن ما تنفذونه لأنفسكم، وقد نصح لهم بمثل هذا صديقهم عبد الله
باشا صفير وهو مؤسس الحزب السوري الفرنسي بمصر، وأقام لهم الدليل عليه
بسياسة الإنكليز بمصر التي نجح فيها لورد كرومر أتم النجاح، وقد ذهل سعادة
الباشا عند إسداء هذه النصيحة قولا وكتابة عما بين الفرنسيس والإنكليز من التباين
في الأخلاق والغرائز وأساليب الاستعمار، وهي لا تخفى على مثله، وقد بينها
الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتبه التي وضعها لمباحث علم الاجتماع،
على أن الإنكليز لم يسلموا من شذوذ الغرور بالقوة، وقسوة العظمة، واحتقار
الشرق وأهله كما فعلوا في (حادثة دنشواي) وفي العراق والهند أخيرا، ولكنهم لم
يبلغوا فيه عشر معشار الفظائع الفرنسية في سورية، وقد أيقنوا أنهم كانوا فيه من
الخاطئين المخطئين، وما رجع بعض كتابهم في هذه الأثناء قول الفرنسيين: إن
أهل الشرق لا يدينون ولا يخضعون إلا لقوة النار والحديد إلا خداعا وتغريرا لهم
ليتمادوا في بغيهم.
***
عظمة فرنسة وقوتها الحربية
(4) مما يعتذر به الفرنسيس عن أعمال القسوة، والإمعان في التخريب
والتدمير، والتصميم على حل مشكلة الثورة السورية بقوة الجند، واشتراط تسليم
الثائرين سلاحهم بلا شرط ولا قيد - أن كل ما عدا هذه الطريقة من إدارة البلاد
ومعاملة أهلها يذهب بكرامة فرنسة، ويزيل مهابتها من القلوب، ويوهم أهل البلاد
أن الثوار أقوى منها، وهذا الاعتذار خطأ محض مبني على النظرية التي بينا
فسادها آنفا، وهي أن هؤلاء الناس أنفسهم لا يعترفون بفضيلة ولا كرامة للدول
والأمم إلا للقوة والقدرة على التقتيل والتخريب، والحق الواقع يفند رأيهم ويؤيد
رأينا، فإنهم كلما اشتدوا في القسوة اشتدت مقاومة الثائرين واستبسلوا في القتال،
واستهانوا بالموت، ومن المعلوم بالضرورة أنهم يقاتلون مختارين، فقتالهم أدل
على أخلاقهم وما في أنفسهم من قتال الجند الفرنسي وكل جند نظامي، فإن الجند
النظامي إنما يقاتل مكرها ومضطرا، إذ هو يعلم أن الفار من الزحف جزاؤه القتل
قطعا، وأن الذي يثبت يجوز أن يبقى وأن ينال مكافأة على ظفره، وقد كان موقدو
نار هذه الثورة خاضعين لفرنسة قبل إهانتهم واحتقارهم وهضم حقوقهم، ومغترين
بوعود رجالها، ولم يبق أحد يصدق لهم قولا ولا يثق منهم بوعد.
وإنا لنعلم أنه لا يوجد أحد من قواد الثورة ولا من مساعديهم يعتقد أن الثوار
أقوى من فرنسة وأقدر على الحرب، ولا أن سورية كلها تساوي فرنسة أو تقاربها
في القوة الحربية، وإنما يحاربونها لأن رجالها ألجأوهم إلى القتال إلجاء،
واضطروهم إليه اضطرارا، إذ أقنعوهم فعلا بأن سلطتها لا تطاق ولا تحتمل، وأن
القتل الشريف في سبيل الاستقلال، أفضل من الحياة في الذل والفقر والنكال،
ولأن في السوريين من لا يزالون يظنون أن في فرنسة فضيلة غير فضيلة القتل