والمفسدة مصلحة، ويطعنون لها في الأحرار الصادقين، إذا تظلموا أو احتجوا
عليهم، ويوهمونها أن ما يتظلمون منه ما هو بظلم، بل هو عين العدل والفضل،
ولكنهم ينكرون الجميل ويغمضون الحق، إما لبغضهم لفرنسة لخبث طباعهم أو
تعصبهم، وإما لمطامع لهم باطلة لم يجدوا مع العدل الفرنسي وسيلة إليها، وإما
خدمة لدولة أخرى أجنبية يعملون لها.
***
تفسير الانتداب الفعلي والقولي
(2) كل هذا التقتيل والتعذيب، والتخريب والتتبيب، والتدمير والتتبير،
وما يتبعه من المغارم والمآثم، وموبقات الفضائح والمحارم، كله تفسير وتنفيذ
بالفعل لكلمة جديدة وضعت في معاهدة الصلح بعد حرب المدنية في قاموس السياسة،
وهي كلمة (الانتداب) .
وضعت هذه الكلمة دول الحلف البريطاني الفرنسي الذين كانوا يسمون قتالهم
للتحالف الجرماني بقتال الحق والعدل والحرية والحضارة، وليس كذلك بل هو
للباطل والجور والهمجية واستعباد الأمم، وفسروه بأنه عبارة عن مساعدة
الشعوب المحررة من العبودية الجديرة بالاستقلال على النهوض بأعباء استقلالها، إلى أن يزول ما يحول دونه من فقرها وضعفها، وتصبح قادرة على السير وحدها،
وزعموا أن الباعث عليه الرأفة والرحمة، لا مجرد العدل، والمكافأة على مساعدتهم
في تلك الحرب، وأن النادب لهم والداعي إلى هذه المكرمة الإنسانية والضامن للدول
المنتدبة الرقيب عليها في تنفيذها كما فسرت إنما هو جمعية الأمم المؤلفة من مسين
أمة ونيف، فهل يجوز إذا في شرع الرحمة والمحبة أن تترك الدولة المنتدبة هذه
الفضائل الإنسانية كلها، وتخفر عهد هذه الأمم والدول كلها، لأن بعض الشعوب التي
تبذل لها هذه المساعدة لتنتفع بما نالت من الحرية والاستقلال تتألم منها، تأبى
أن تقوى من ضعف، وتغنى من فقر، وتعز بعد ذل، وتتحرر بعد رق؟ فإين
الفضائل الإنسانية؟ وأين العهود الدولية؟
تلك إشارة إلى مسافة الخلف من أقوال منفذي الانتداب وأفعالهم، ثم إنهم
يطلبون منا أن نصدق وعودهم، ونثق بعهودهم، وهم يعلمون أن هذا غير مستطاع،
ولكنهم يريدون إكراهنا بالقوة على أن نحمد مساوئهم، أو نسكت عنها؛ لئلا تجد
الأحزاب المعارضة في مجلسي نوابهم وشيوخهم حجة يسلبون بها منهم هذا السلطان
الاستبدادي المطلق الذي هو أعظم اللذات التي فتن بها البشر، فهم لا يبالون بما
نعتقد نحن فيهم، وإنما يبالون بمن يقول الحق ويطالب بالعدل في بلادهم، وقليل ما
هم.
***
الفرق بين الشرق والعرب في احترام القوة
(3) إن شعوب أوربة شعوب دموية ما زالت تعتمد في جميع شؤونها على
القتال وسفك الدماء حتى صار غريزة فيها، فكل اعتمادهم على القوة المادية
الحربية، بل لما صار ذم القتال وسفك الدماء مما يذم عندهم بالكلام، ويتبرؤون منه
برياء القول، ويدعون أن ما ينفقونه في كل عام من قناطير الذهب المقنطرة التي
تجتاح معظم كسب شعوبهم على الاستعدادات الحربية من برية وبحرية وجوية لا
يراد به إلا السلم، على أن هذه الدعوى على ما فيها من كذب ورياء حجة قطعية
على أنهم لا يمكن أن يرتدعوا عن ذلك إلا بالخوف من القتال؛ لأجل هذا يقيسون
طباع الشرقيين على طباعهم، بل قلبوا الحقيقة وعكسوا القضية فصاروا يزعمون
أن الشرقيين لا يخضعون إلا للقوة، ولا يطيعون الأوامر إلا بالإذلال والإهانة،
ونتيجة هذا أنهم لا يقبلون ما يسدونه إليهم من نعم الحماية والوصاية والانتداب إلا
إذا حمل إليهم وحملوا عليه بقوة الحديد والنار، وأقنعوا به بلغة قذائف المدافع
والطيارات، وتدمير السيارات والدبابات، فهم يكررون هذه الأقوال كلما صالوا
على شعب شرقي فدافع عن نفسه ولو بالحجج القولية المنطقية، فيكف إذا حمل
السيف مستبسلا لتحميله ما لا يطيق يائسا من إنصافه، كما يقولون اليوم في قضية
ريف المغرب وفي قضية سورية.
والحق الذي يشاهد اليوم ويحفظه التاريخ من قبل أن الشرقيين يخضعون