ذلك بمنزلة الصانع الأخرق، يضع في تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه
ولا يقبلانه، حتى تخرج الصورة مضطربة، وتجيء فيها نتو [10] ، ويكون للعين
عنها من تفاوتها نبو، وإنما قيل شبهت ولا تعني في كونك مشبها أن تذكر حرف
التشبيه أو تستعير، إنما تكون مشبها بالحقيقة بأن ترى الشبه وتبينه، ولا يمكنك
بيان ما لا يكون، وتمثيل ما لا تتمثله الأوهام والظنون.
ولم أرد بقولي: إن الحذق في إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس، أنك
تقدر أن تحدث هناك مشابهة ليس لها أصل في العقل، وإنما المعنى أن هناك
مشابهات خفية يدق المسلك إليها، فإذا تغلغل فكرك فأدركها فقد استحققت الفضل.
ولذلك يشبه المدقق في المعاني كالغائص [11] على الدر. ووزان ذلك أن القطع التي
يجيء من مجموعها صورة الشنف [12] والخاتم أو غيرهما من الصور المركبة من
أجزاء مختلفة الشكل، لو لم يكن بينها تناسب - أمكن ذلك التناسب أن يلائم بينها
الملائمة المخصوصة، ويوصل الوصل الخاص - لم يكن ليحصل لك من
تأليفها الصورة المقصودة.
ألا ترى أنك لو جئت بأجزاء مخالفة لها في الشكل، ثم أردتها على أن تصير
إلى الصورة التي كانت من تلك الأول طلبت ما يستحيل، فإنما استحققت الأجرة
على الغوص وإخراج الدر، لا أن الدر كان بك، واكتسى شرفه من جهتك، ولكن
لما كان الوصول إليه صعبا، وطلبه عسيرا، ثم رزقت ذلك وجب أن يجزل لك
ويكبر صنيعك.
ألا ترى أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين متباعدين في الجنس، ثم
لطف وحسن لم يكن ذلك اللطف وذلك الحسن إلا لاتفاق كان ثابتا بين المشبه
والمشبه به من الجهة التي بها شبهت، إلا أنه كان خفيا لا ينجلي إلا بعد التأنق في
استحضار الصور وتذكرها وعرض بعضها على بعض، والتقاط النكتة المقصودة
منها، وتجريدها من سائر ما يتصل بها. نحو أن يشبه الشيء بالشيء في هيئة
الحركة فتطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة، والهيئة مجردة من الجسم وسائر ما فيه من
اللون وغيره من الأوصاف، كما فعل ابن المعتز في تشبيه البرق حيث قال:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
لم ينظر من جميع أوصاف البرق ومعانيه إلا إلى الهيئة التي تجدها العين له
عن انبساط يعقبه انقباض، وانتشار يتلوه انضمام، ثم فكر في نفسه عن هيآت
الحركات؛ لينظر أيها أشبه بها، فأصاب ذلك فيما يفعله القارئ من الحركة
الخاصة في المصحف إذا جعل يفتحه مرة ويطبقه أخرى، ولم يكن إعجاب هذا
التشبيه لك وإيناسه إياك؛ لأن الشيئين مختلفان في الجنس أشد الاختلاف فقط، بل
لأن حصل بإزاء الاختلاف اتفاق كأحسن ما يكون، وأتمه، فبمجموع الأمرين- شدة
ائتلاف في شدة اختلاف - حلا وحسن، وراق وفتن.
ويدخل في هذا الموضع الحكاية المعروفة في حديث عدي بن الرقاع، قال
جرير: أنشدني عدي: *عرف الديار توهما فاعتادها* [13] فلما بلغ إلى قوله:
(تزجي أغن كأن إبرة روقه) [14] رحمته وقلت: قد وقع، ما عساه يقول: وهو
أعرابي جلف جاف؟ فلما قال: *قلم أصاب من الدواة مدادها* استحالت الرحمة
حسدا [15] ، فهل كانت الرحمة في الأولى والحسد في الثانية إلا أنه رآه حين افتتح
التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر وبديهة الخاطر، وفي القريب من
محل الظن شبه [16] ، وحين أتم التشبيه وأداه صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد
موصوف، وعثر على خبيء مكانه غير معروف، وعلى ذلك استحسنوا قول
الخليل، في انقباض كف البخيل.
كفاك لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه
فكف عن الخير مقبوضة ... كما نقصت مائة سبعه
وكف ثلاثة آلافها ... وتسع مئيها لها منعه [17]
وذلك أنه أراك شكلا واحدا في اليدين مع اختلاف العددين، ومع اختلاف
المرتبتين في العدد أيضا؛ لأن أحدهما من مرتبة العشرات والآحاد والآخر من
مرتبة المئين والألوف، فلما حصل الاتفاق كأشد ما يكون في شكل اليد مع