المترجم بحسب فهمه، مثال ذلك أن المترجم قد يجعل قوله تعالى: {وأرسلنا
الرياح لواقح} (الحجر: 22) من المجاز بالاستعارة؛ أي: إن اتصال الريح
بالسحاب، وحدوث المطر عقب ذلك يشبه تلقيح الذكر للأنثى وحدوث الولد بعد ذلك
كما فهم بعض المفسرين، فإذا هو جرى على ذلك بأن فرضنا أنه لا يوجد في اللغة
التي يترجم بها لفظ يقوم مقام (لواقح) العربي في احتمال حقيقته ومجازه إذا أطلق،
فإن القارئين يتقيدون بهذا الفهم، ويمتنع عليهم أن يفهموا من العبارة ما هي حقيقة
فيه، وهو كون الرياح لواقح بالفعل، إذ هي تحمل مادة اللقاح من ذكور الشجر إلى
إناثه، فإن لم ينطبق هذا المثال على القاعدة لتيسر ترجمة الآية ترجمة حرفية، فإن
هناك أمثلة أخرى، وحسبنا أن يكون هذا موضحا، والترجمة تقف بنا عند حد من
الفهم، يعوزنا معه الترقي المطلوب.
(8) ذكر الغزالي في كتاب (إلجام العوام عن علم الكلام) أن ترجمة آيات
الصفات الإلهية غير جائزة، واستدل على ذلك بما هو واضح جدا، وقد ذكرنا
عبارته في تفسير {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب
وأخر متشابهات} (آل عمران: 7) ، وبين أن الخطأ في ذلك مدرجة للكفر [3] .
(9) ذكر الغزالي في الاستدلال على ما تقدم أن من الألفاظ العربية ما لا
يوجد لها فارسية تطابقها - أي: ومثل الفارسية التركية وغيرها - فما الذي يفعله
المترجم في مثل هذه الألفاظ، وهو إن شرحها بحسب فهمه ربما يوقع قارئ
ترجمته في اعتقاد ما لم يرده القرآن؟
(10) قد ذكر في ذلك أيضا أن من الألفاظ العربية مالها فارسية تطابقها
(لكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التي جرت عادة العرب باستعارتها
لها) ، فإذا أطلق المترجم اللفظ الفارسي يكون هنا مؤديا المعنى الحقيقي للفظ
العربي؟ وربما كان مراد الله هو المعنى المجازي، ومثل الفرس غيرهم من
الأعاجم، وهذا المقام من مزلات الأقدام إذا كان الكلام عن الله عز وجل
وصفاته وأفعاله.
(11) ذكر أيضا في هذا المقام: أن من هذه الألفاظ ما يكون مشتركا في
العربية، ولا يكون في العجمية كذلك، فقد يختار المترجم غير المراد لله من معنيي
المشترك، ولا يخفى ما فيه، وقد مر نظيره آنفا.
(12) من المقرر عند العلماء أنه إذا ظهر دليل قطعي على امتناع ظاهر
آية من آيات القرآن فإنه يجب تأويلها حتى تتفق مع ذلك الدليل، والفرق بين تأويل
ألفاظ القرآن وتأويل ألفاظ ترجمته لا يخفى على عاقل، لا سيما في الآيات
المتشابهة والألفاظ المشتركة.
(13) إن لنظم القرآن وأسلوبه تأثيرا خاصا في نفس السامع لا يمكن أن
ينقل بالترجمة، وإذا فات يفوت بفوته خير كثير، فيا طالما كان جاذبا إلى الإسلام،
حتى قال أحد فلاسفة أوربا وهو فرنسي نسيت اسمه: إن محمدا كان يقرأ القرآن
بحال مؤثرة تجذب السامع إلى الإيمان به، فكان تأثيره أشد من تأثير ما ينقل عن
غيره من الأنبياء من المعجزات، وحضر الدكتور فارس أفندي نمر مرة الاحتفال
السنوي لمدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بالقاهرة، فافتتح الاحتفال تلميذ بقراءة
آيات من القرآن، فقال لي الدكتور فارس أفندي: إن لهذه القراءة تأثيرا عميقا في
النفس، ثم لما كتب خبر الاحتفال في جريدته (المقطم) كتب ذلك، فإذا كان لتلاوة
القرآن هذا التأثير حتى في نفس غير المؤمن به، فكيف نحرم منها المسلمين
بترجمة القرآن لهم.
(14) إذا ترجم القرآن التركي والفارسي والهندي والصيني إلخ، فلا بد أن
يكون بين هذه التراجم من الخلاف مثل ما بين تراجم كتب العهد العتيق والعهد
الجديد عند النصارى [4] ، وقد رأينا ما استخرجه لهم صاحب إظهار الحق من
الخلافات التي كنا نقرؤها، ونحمد الله تعالى أن حفظ كتابنا من مثلها، فكيف
نختارها بعد ذلك لأنفسنا؟
(15) إن القرآن هو الآية الكبرى على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم،