... ... ... ... ... ... ... ... ... حرره الإمام الحقير
... ... ... ... ... ... ... ... ... أحسن شاه أحمد
... ... ... ... ... ... ... ... الكاتب الديني السماوي
(جواب المنار له)
إن من تقصير المسلمين في نشر دينهم أن لا يبينوا معاني القرآن لأهل كل
لغة بلغتهم، ولو بترجمة بعضه [1] ، لأجل دعوة من ليس من أهله إليه، وإرشاد
من يدخل فيه عند الحاجة بقدر الحاجة، وإن من زلزال المسلمين في دينهم أن
يتفرقوا إلى أمم، تكون رابطة كل أمة منها جنسية نسبية أو لغوية أو قانونية،
ويهجروا القرآن المنزل من الله تعالى على خاتم رسله، المعجز بأسلوبه وبلاغته
وهدايته، المتعبد بتلاوته، اكتفاء بأفراد من كل جنس يترجمونه لهم بلغتهم بحسب
ما يفهم المترجم.
هذا الزلزال أثر من آثار جهاد أوربا السياسي والمدني للمسلمين، زين لنا أن
نتفرق وننقسم إلى أجناس، ظانا كل جنس منا أن في ذلك حياته، وما ذلك إلا موت
للجميع، ولا نطيل في هذه المسألة هنا، ولكننا نذكر شيئا مما يخطر في البال من
مفاسد هجر المسلمين للقرآن المنزل ﴿بلسان عربي مبين﴾ (الشعراء: 195) -
استغناء عنه بترجمة أعجمية يغنيهم عنها تفسيره بلغتهم، مع المحافظة على نصه
المتواتر، المحفوظ من التحريف والتبديل - مع مراعاة الاختصار فنقول:
(1) إن ترجمة القرآن ترجمة حرفية تطابق الأصل متعذرة كما يعلم من
المسائل الآتية، والترجمة المعنوية عبارة عن فهم المترجم للقرآن، أو فهم من
عساه يعتمد هوعلى فهمه من المفسرين، وحينئذ لا تكون هذه الترجمة هي القرآن،
وإنما هي فهم رجل للقرآن يخطئ في فهمه ويصيب، ولا يحصل بذلك المقصود
المراد من الترجمة بالمعنى الذي ننكره.
(2) إن القرآن هو أساس الدين الإسلامي، بل هو الدين كله؛ إذ السنة
ليست دينا إلا من حيث إنها مبينة له. فالذين يأخذون بترجمته يكون دينهم ما فهمه
مترجم القرآن لهم، لا نفس القرآن المنزل من الله تعالى على رسوله محمد - صلى
الله عليه وسلم - والاجتهاد بالقياس إنما هو فرع عن النص، والترجمة ليست نصا
من الشارع، والإجماع عند الجمهور لا بد أن يكون له مستند والترجمة ليست
مستندا. فعلى هذا لا يسلم لمن يجعلون ترجمة القرآن قرآنا شيء من أصول
الإسلام.
(3) إن القرآن منع التقليد في الدين، وشنع على المقلدين فأخذ الدين من
ترجمة القرآن هو تقليد لمترجمه، فهو إذا خروج عن هداية القرآن لا اتباع لها.
(4) يلزم من هذا حرمان المقتصرين على هذه الترجمة مما وصف الله به
المؤمنين في قوله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني
وسبحان الله وما أنا من المشركين} (يوسف: 108)
، وأمثالها من الآيات
التي تجعل من مزايا المسلم استعمال عقله وفهمه فيما أنزل الله [2] .
(5) كما يلزم حرمانهم من هذه الصفات العالية يلزم منع الاجتهاد
والاستنباط من عبارة المترجم؛ لأن الاجتهاد فيها مما لا يقول به مسلم.
(6) أن من عرف لغة القرآن، وما يحتاج إليه في فهمه كالسنة النبوية
وتاريخ الجيل الأول الذي ظهر فيه الإسلام يكون مأجورا بالعمل بما يفهمه من
القرآن وإن أخطأ في فهمه؛ لأنه بذل جهده في الاهتداء بما أنزله الله هداية له، كما
يعلم ذلك من معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه فيما فهموه من كيفية
التيممم، إذ عذر المختلفين في فهمها والعمل بها، ومثله معاملته لهم فيما فهموه من
نهيه عن صلاة العصر إلا في قريظة، ولذلك شواهد أخرى، ولا أخال مسلما
يجعل لعبارة مترجم القرآن هذه المزية.
(7) إن القرآن ينبوع للهداية والمعارف الإلهية لا تخلق جدته، ولا تفتأ
تتجدد هدايته , وتفيض للقارئ على حسب استعداده حكمته , فربما ظهر للمتأخر
من حكمه وأسراره ما لم يظهر لمن قبله، تصديقا لعموم حديث (فرب مبلغ أوعى
من سامع) ، وترجمته تبطل هذه المزية، إذا تقيد القارئ بالمعنى الذي صوره