استأجرها من فلسطين وسورية وغيرهما؛ لإقامة ملكه حتى انفض أكثرها من حوله،
وعادت إلى بلادها، ومن أخبار الهند الخاصة أن وفد الهند بذل للشيخ أبي الكلام
أحمد الزعيم الشهير عشرة آلاف جنيه؛ ليبث دعوتهم، ويلقي خطبة في الطعن في
الوهابية، فكان ذلك دليلا عنده على كذبهم.. . وما هو ممن يعبد المال مثلهم،
فلذلك رد طلبهم، وقد أنشأ هذا الوفد جريدة أسبوعية في بمبي هي أسفه من جريدة
القبلة قليلا، وأضل سبيلا، فاغتر بهذه الدعاية كثيرون، وأخذ الزعماء العارفون
بالحقائق على غرة، فتريثوا في الرد على هذه الدعاية حتى خاطبوا ابن السعود في
الأمر بلسان البرق كما فعل ملك مصر، ولما وقفوا على الحقيقة، وأن جيش الإخوان
لم يضرب قبة المسجد النبوي بقنبلة ولا رصاصة، حملوا حملة عظيمة على
دعاية وفد الشريف علي حتى اضطر إلى مغادرة الهند.
***
افتراض الإنكليز للفتنة
في أثناء هذه الضجة أمر الإنكليز حكومة العراق بمطالبة سلطان نجد بإعادة
عقد المؤتمر الذي كان قد اجتمع في الكويت؛ لوضع الحدود بين العراق ونجد
وشرق الأردن والحجاز، وأرسلوا هم من قبلهم وفدا إلى الحجاز لمفاوضة سلطان
نجد في هذه المسألة، وجل ما يبغونه منه أن يعترف لهم بالحدود الجديدة لمنطقة
شرق الأردن بعد أن ضموا إليها من بلاد الحجاز ما علمنا، وأن يضموا إليها
(الجوف) الذي كان تابعا لإمارة ابن الرشيد، وصار بعد ذلك جزءا من سلطنة
نجد.
وإنهم يتوسلون إلى إقناعه بما يخوفونه الآن من تأليب العالم الإسلامي عليه،
وإغراء مصر وإيران وغيرهما من الأقطار الإسلامية به، حتى الهند التي كانت
مشايعة له، فأصبح كثير من أهلها عليه كالإسماعيلية وفرق الشيعة، وبعض عوام
أهل السنة، بحيث إذا عقد المؤتمر الإسلامي الذي يطلبه يسعون بنفوذهم السياسي
والمالي، وخداعهم إلى جعل الأكثرية الساحقة فيه عليه لا له، ومؤيدين لخصمه
الشريف علي عليه. وذلك أن أكثر مسلمي الأرض خاضعون لسلطانهم وسلطان
حليفتهم فرنسة بالفعل، بل يوهمونه أنه يسهل عليهم خداع سائر الشعوب الإسلامية
بموافقة مندوبي هؤلاء، بدليل أنهم هيجوا بعضها بالفعل كالشعب الإيراني، ولكنهم
لا يصرحون بهذه الإيهامات.
فإن هو خاف من ذلك، واعترف لهم بهذه الحدود يكون كمن شحذ مديته
وبخع بها نفسه بيده، ويكون كل هؤلاء المسلمين الذين هاجوا عليه، وطفقت
جرائدهم تطعن في جنده، شركاء له في هذه الجناية على الحجاز وعلى الإسلام،
نعم إن الإنكليز ربما يكافئونه على اعترافهم له بهذه الحدود مكافأة سلبية خادعة، وهي
ما لا يزالون يدعونه من التزامهم موقف الحياد في التنازع بينه وبين الشريف علي،
وماذا يفعل بعد ذلك وهو محاط به من البر والبحر، ولا سيما بعد مد الإنكليز لسكة
الحديد الحربية من فلسطين إلى العراق مارة بأرض الحجاز ونجد؟
الواجب على السلطان عبد العزيز شرعا وعقلا وسياسة أن لا يخاف من تهديد
الجنرال كليتن وخداعه، ولا يبالي بوعده ولا بوعيده، فإن دولته المرسلة له لا
تقدر الآن على إيذاء نجد وغيرها من بلاد العرب بأكثر مما فعلت من الدسائس،
ومن مساعدة الحجازيين بما أجملناه في هذا المقال، أعني: إنها لا يمكن أن تسوق
عليه جيوشا بريطانية تقاتله بها، فإن فرضنا أنها يمكنها أن تحمل دولة إسلامية
على قتاله؛ لإخراجه من الحجاز - وما ذلك بالأمر السهل - فعاقبة ذلك خير له من
السماح للإنكليز بشبر من أرض الحجاز أو من أرض نجد، يأخذونها باختياره ثم لا
تكون عاقبة أمرها إلا القضاء على كل من الحجاز ونجد بعد زمن قليل، ولأن
يضيع الحجاز بيد غيره أشرف له وأسلم من خزي الدنيا والآخرة من أن يضيع بيده.
إذا أحدث الإنكليزي فتنة حربية في الحجاز بأيدي دولة إسلامية فلا ينتظر من
ابن السعود إلا أن يترك الحجاز لهذه الدولة الإسلامية، ويحملها تبعة حفظه أمام الله