تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(إرادته السنية) من عهد قريب بجعل أعظم منطقة حربية من الحجاز تحت

الانتداب الإنكليزي؟ لماذا لم يحتجوا على هذا ولا ذاك؟ أم يريد هؤلاء السلاطين

العظام أن تكون المدينة المنورة ومكة المكرمة تحت الحماية الإنكليزية مثلهم؟

وإذا كان الأمر كذلك فما لهم وللإسلام ولاسم الإسلام؟

إنهم يدعون اتباع مذهب الشافعي رضي الله عنه، فما لهم لا يهتمون من أمر

الحجاز إلا بهدم بعض القبور المشيدة المشرفة التي تعبد من دون الله تعالى، وتؤتى

عندها المعاصي المجمع عليها؟ وقد ذكر الإمام الشافعي في كتابه الأم ما نقله عنه

عمدة الشافعية الإمام النووي في شرح صحيح مسلم أن أئمة مكة كانوا يهدمون في

عصره ما رفع من القبور عملا بحديث علي - كرم الله وجهه - (أن لا تدع تمثالا

إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته) أي: بالتراب، فهل كان الشافعي وأولئك

الأئمة من الوهابية؟ أم الوهابية هم المقتدون بهم، والمعتصمون بسنة الرسول

مثلهم، وأنتم وسادتكم من أمراء مكة الذين يتقربون إليكم بتعظيم القبور، وما

يقترف حولها من أعمال الوثنية أعداء السنة والمخالفون لجميع الأئمة؟

لو لم يكن من فتنة جهال المسلمين بقبور الصالحين التي اتبعوا فيها سنن من

قبلهم الذين لعنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اتخاذ قبور أنبيائهم

وصلحائهم مساجد، وعلى اتخاذ السرج والمساجد عليها إلا جعلهم اتباع السلف

الصالح بهدم بعضها أهم من منع فريضة الحج، وبيع أرض الحجاز للإنكليز؛ لكفى

ذلك موجبا لهدمها؛ لإزالة هذا الاعتقاد الفاسد، فقد كان علماء الصحابة يتركون

بعض السنن المتفق عليها؛ لئلا يظن العوام بالتزامهم إياها وجوبها، كما روي عن

ابن عباس (رضي الله عنه) في ترك التضحية في عيد النحر، على كونه كان

يذبح الذبائح كل يوم لإطعام الناس، ولذلك نظائر فصل القول فيها الإمام الشاطبي

في كتابه (الاعتصام) فما القول: في بدعة مخالفة للسنة الصحيحة ترتب عليها

من الضلالات والمعاصي والشرك ما هو معروف: كتشيد القبور وتشريفها، وبناء

المساجد وإيقاد السرج عليها، وقد صح لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن

فعل ذلك قبل حدوث افتتان الناس بالطواف بها، ودعاء أصحابها من دون الله تعالى؛

لكشف الضر وقضاء الحاجات ورفع المصائب، ونذر النذور لهم، وذبح القرابين

بأسمائهم، والحلف بهم- إلى غير ذلك من أنواع العبادة - وقد بلغ من شركهم أن

صاروا يصلون لهم لا إلى قبورهم فقط، كما حدثني الشريف محمد شرف عدنان

باشا قال: رأيت رجلا توجه إلى قبر ابن عباس (رضي الله عنه) في الطائف،

وشرع في الصلاة، فظننت أنه أعمى، فأردت تحويله إلى القبلة فامتنع، ورأيت أنه

بصير، وأنه يتعمد الصلاة إلى القبر مستقبلا له دون القبلة؛ لأنه يصلي لابن

عباس لا لله تعالى، فقلت للخدم: أخرجوا هذا المشرك من هنا بالقوة؛ ففعلوا.

صرح بعض فقهاء الحنابلة وغيرهم من أهل السنة بوجوب هدم القبور

المشرفة التي لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من شيدوها وعظموها، وذلك

قبل وجود الوهابية بعدة قرون، كما كان يفعل الأئمة بمكة في زمن الإمام الشافعي،

وقد أمر عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بقلع الشجرة التي بايع النبي - صلى

الله عليه وسلم - أصحابه تحتها؛ لأنه علم أن بعض الناس يزورونها، فقلعت

وعفي أثرها، وذلك قبل أن تصل فتنة المسلمين بمثل هذه الآثار إلى عشر معشار

ما وصلت إليه الآن، فهل كان عمر رضي الله عنه وهابيا؟

وقد فصلنا القول في هذه البدع من قبل، وليس من غرضنا إعادته الآن، بل

غرضنا أهم من ذلك وهو بيان الخطر على الحجاز من الإنكليز، الذين سعوا لمنع

إدخال السلاح إلى بلاد العرب كلها؛ تمهيدا للاستيلاء عليها، وأكبر أعوانهم على

ذلك بيت الشريف حسين بن علي، فهو الذي قرر جعل الحجاز وسائر البلاد

العربية تحت الحماية البريطانية، وجرى هو وأولاده على هذا بالفعل، وآخر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٨٣