تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هيئة كبار العلماء صحيحا أو غير صحيح، وفيما إذا كان العالم الذي حوكم قد

ارتكب بالفعل أمرا يوقعه تحت طائلة القانون، أو أن هنالك تجاوزا في التطبيق

القانوني) .

(وبما أنه من المسلم الذي لا ريب فيه أن مجلس التأديب لا يملك شيئا مما

تقدم، إذ من المبادىء العامة المقررة أن الهيئات القضائية المختلفة تعتبر في

الدولة على حد سواء، وليس بينها في دوائر اختصاصها أي تفاوت في الاعتبار) .

(وبما أن الفقرة الثانية من المادة الأولى بعد المائة الآنف ذكرها تنص على

أن الحكم الصادر من هيئة كبار العلماء لا يقبل الطعن، فيلزم من هذا أنه ليس لأية

سلطة قضائية أن تلغيه أو تبحث عن صحته، كما يلزم منه أن سلطة مجلس

التأديب مقصورة حتما على النظر فيما يترتب على حكم هيئة كبار العلماء من

النتائج القانونية) .

***

عن الاختصاص

(وبما أن الدفع بعدم اختصاص هيئة كبار العلماء بالنظر في موضوع كتاب

(الإسلام وأصول الحكم) مبناه أن عبارة (ما لا يناسب وصف العالمية) الواردة

في المادة الأولى بعد المائة من القانون رقم 10 سنة 1911 لا تتناول إلا الأفعال

الشائنة التي تمس كرامة العالم: كالفسق، وشرب الخمر، والميسر، وما أشبه ذلك

مما يتعلق بالسلوك الشخصي، وأن هذه العبارة لا يمكن أن تتعدى ذلك إلى الخطأ

في الأبحاث العلمية الدينية) .

(وبما أن الدفع على فرض صحته وقبوله لا يطعن في اختصاص هيئة كبار

العلماء، وليس له من نتيجة سوى ما قد يفهم من أن حكم الهيئة أخطأ في تطبيق

القانون، أما اختصاص الهيئة فلا يطعن فيه؛ لأن الشيخ علي عبد الرازق كان من

العلماء، ولأن الفعل الذي حوكم من أجله مما قد يقع من العلماء ويتصل بهم، ولأن

القانون أجاز لهيئة كبار العلماء محاكمة العالم أيا كانت وظيفته أو مهنته) .

(وبما أنه على فرض وقوع خطأ في التطبيق القانوني، فليس من

اختصاص أية سلطة أخرى أن تنظر فيه) .

(على أنه ليس ثمة ما يدل على وقوع خطأ في تطبيق القانون؛ لأن عبارة

(ما لا يناسب وصف العالمية) جاءت عامة مطلقة من كل قيد بحيث لا يمكن

قصرها على السلوك الشخصي، فضلا عن أن وصف العالمية يفترض بذاته فوق

السلوك الشخصي كفاية علمية خاصة، وعقيدة معينة. ولا شك أن هيئة كبار

العلماء هي المختصة دون غيرها بالفصل فيما إذا كانت هذه العقيدة مطابقة أو غير

مطابقة للدين، وفيما إذا كان صاحبها قد ارتكب أو لم يرتكب ما لا يناسب وصف

العالمية) .

(يؤيد ما تقدم أن هيئة كبار العلماء ليست هيئة مدنية، ولا مجرد هيئة

أخلاقية حتى يقصر عملها على مراقبة السلوك الشخصي للعلماء، وإنما هي قبل

كل شيء هيئة دينية، الغرض من تكوينها رعاية أصول الدين ومبادئه، وصيانتها

من كل عبث) .

(وبما أنه مسلم فوق ذلك أن لكل جماعة ناموسا خاصا، وحقا مقررا يجيز

لها أن تطرد من هيئتها كل عضو ترى أنه غير لائق بها، وهذا الحق الطبيعي

ثابت لها بدون احتياج إلى نص وضعي يقرره. ويبنى على ذلك أن هيئة كبار

العلماء يصح لها أن تخرج أي عالم من زمرة العلماء ولو لم يكن ثمة قانون ينص

على ذلك [2] ) .

وبما أنه لا معنى كذلك للاحتجاج بالمواد 12 و14 و167 من الدستور؛ لأن

المادة 12 التي تنص على أن (حرية الرأي مكفولة.. . في حدود القانون) لا تفيد

سوى أن لكل إنسان الحق في أن يعتنق الدين الذي يريده، أو يكون لنفسه الاعتقاد

الذي يرضاه، أو يعرب عن رأيه بالقول، أو الكتابة أو التصوير بدون أن يتعرض

للعقاب بسبب اعتناقه دينا من الأديان، أو إبانته عن رأي من الآراء ما دام أنه لم

يخرج عن حدود القانون.

(وبعبارة أخرى: لا تفيد هاتان المادتان سوى أن كل إنسان له أن يتمتع

بحقوقه الوطنية، كحق الترشيح للانتخاب أو التصويت فيه مهما كان دينه أو مذهبه

أو رأيه، وهذا لا ينافي أن الحكومة مثلا لها أن تفصل من خدمتها كل وطني

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٥٤