علماء الدين، فلا يتجرؤون على الحكم عليه، ثم إنه كان متكلا على الوزيرين
النافذي الرأي: إسماعيل صدقي باشا وزير الداخلية، وعبد العزيز فهمي باشا
وزير الحقانية ورئيس الحزب الحر الدستوري، واثقا هو وأنصاره اللادينيون بأن
يبقى في وظيفته القضاء الشرعي، بالرغم من أنوف كبار العلماء إن هم حكموا
بإخراجه من جماعتهم - وبلغنا أن وزير الحقانية وعده ببقائه في منصب القضاء
الشرعي الذي أنكر هو كونه منصبا شرعيا بالتبع لإنكار كون منصب الخلافة دينيا؛
أي: مقيدا بأحكام الدين. كما علم واشتهر أن إسماعيل صدقي باشا لم يحفل بقرار
هيئة العلماء الذي بلغته إياه قبل المحاكمة، ولم يجب إلى ما طلبه بعضهم منه من
مصادرة الكتاب - وإننا لم نكن نعلم من هذا شيئا حين كتبنا في إحدى مقالاتنا في الرد
على كتاب (الإسلام وأصول الحكم) : إننا نعلم أن من أنصاره بعض الباشوات
والدكاترة، وغيرهم من الأكابر، وأنهم أقوياء، ولكن قوتهم تتضاءل أمام قوة ملك
البلاد. وقد عاقبتنا جريدة السياسة على القول بنشر تهمة غريبة تتهمنا فيها بأعمال
دينية سياسية تغضب علينا - لو صحت - جلالة الملك وحكومته، وتجعلنا
عرضة للعقاب، ولكن الحكومة كذبت التهمة، وقد أشير علينا يومئذ أن نقاضي جريدة
السياسة على تلك التهمة، فقلنا: إنه لا يليق بنا - معشر أرباب الصحف - أن
نتقاضى إلى الحكام، وقد صرف الله عنا شر التهمة الباطلة بسلام.
هذا الغرور والاتكال على الوزراء والأحزاب هو الذي جرأ الشيخ علي عبد
الرازق على تهديد هيئة كبار العلماء في مقال نشرته له السياسة في صدر عددها
الذي صدر في 20 ذي الحجة سنة 1343، نهاهم فيه أن تأخذهم العزة بالإثم،
وتقحم بهم في أودية ليس عليها دليل، وتهجم بهم على موارد لا يجدون عنها
مصدرا، وتنتهي بهم إلى عواقب لا يحمدون عندها السرى، ثم قال: يا أيها
السادة لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، ولا تركبوا للانتقام مركبا أخاف أن
يرديكم قبل أن يصل بكم إلى الانتقام.
إن شر ما ترجونه لنا لهو خير ما نرجو لأنفسنا، ولئن كنا غالبين أو
مغلوبين، فإن لنا في الحالتين، لإحدى الحسنيين، أما أنتم أيها السادة فخافوا على
أنفسكم شرين مالكم من أحدهما بد، شر الانتصار إن غلبتم، وشر الهزيمة إن غلبتم
أنا النذير لكم مني مجاهرة ... كيلا ألام على نهجي وإنذاري
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلفون خزيا ظاهر العار
ثم كررت جريدة السياسة بلسانها وألسنة كتابها أمثال هذه النذر بما هو أشد
تهديدا ووعيدا وتقريعا وتثريبا، ولكن الحكم صدر ثم نفذ، ولقد امتنع عبد العزيز
باشا عن تنفيذه، فكان جزاؤه العزل من الوزارة، ثم كان جزاء حزبه الحر
الدستوري الخروج من الوزارة أيضا، فقد استقال سائر وزراء الحزب حتى
إسماعيل باشا صدقي، فقبلت استقالتهم أجمعين، وكانوا يظنون أنها لا تقبل، وأن
الحكومة الشاذة المعطلة للدستور لا تقوم إلا بهم.
تنفيذ هذا الحكم من الجهة العامة منوط في القانون برئيس الوزراء، ومقتضى
التنفيذ طرد الشيخ علي عبد الرازق من منصب القضاء الشرعي التابع لوزارة
الحقانية، ورئيس الوزراة الآن في أوربة، ونائبه يحيى باشا إبراهيم وزير المالية،
وهو الذي بلغ وزير الحقانية الحكم مع توقيعه عليه بالتنفيذ، وكان الواجب على
وزير الحقانية إخراج الشيخ علي عبد الرازق بمقتضاه من القضاء من غير تريث،
ولكنه لم يفعل، بل أحاله على لجنة قسم القضايا في الوزارة مبينا لها ما عنده من
الإشكال في تنفيذه لترى رأيها فيه. وهذا نص عبارته في ذلك نقلا عن جريدتهم
(السياسة)
قال وزير الحقانية بعد الديباجة:
(وحيث إننا نتشكك كثيرا (أولا) : فيما إذا كان نص الفقرة الأولى من
المادة 101 من قانون الأزهر نمرة 10 سنة 1911 يقصر الموضوع الذي تختص
هيئة كبار العلماء بالنظر فيه على الأفعال الشائنة التي تمس كرامة العالم: كالفسق