رجلا صالحا في نفسه، يحسن القيام بالعمل الذي يفوض إليه في الحكومة أو في
غيره، فذلك لم يخالط عقول المعلمين، ولا من ولاهم أمر التعليم، فسرى ذلك من
السابقين إلى اللاحقين حتى اليوم.
ولو كشفنا عن أذهان التلامذة، لم نجد فيها غاية لتعلمهم سوى أن يعيشوا كما
عاش غيرهم على أي صفات كانوا، ولو استفرغنا أذهان المعلمين، لم نجد فيها
من المقاصد سوى أنهم يلقون ما يجدونه في الكتب المقررة للتلامذة، ويطالبونهم
بحفظه، وفهم عبارته إن كان ليعيدوا يوم الامتحان تلاوة ما ألقي إليهم حتى تتم
مدتهم في المدرسة، ولا يسألونهم مرة واحدة عن مجال أفكارهم، هل هو في صالح
أو فاسد؟ ولا مطامح أنظارهم، هل إلى نافع أو ضار؟ وذلك رسم يؤديه
المعلمون؛ ليأخذوا مرتباتهم الشهرية لا غير. ولهذا لا يكون تلامذتها في آخر الأمر
إلا صناعا، أو ناطقين ببعض الألسنة، ولا ثقة في الأغلب بشيء من عقولهم ولا
أخلاقهم، إلا من كانت له فطرة سليمة، وله موهبة طبيعية، فأولئك تؤدبهم الأيام،
وتهذبهم التجارب، وعلى مثل ذلك كانت مكاتب الأوقاف، ولا تزال. فإن استمر
السير على الطريقة المعروفة الآن، كانت النتيجة دائما كما بيناه، فلا يؤول ذلك
بالمصرين إلى أن يكونوا رعية صالحة لأن تكون بدنا لرأس أو آلة لصانع.
المدارس الأجنبية
وأما المدارس الأجنبية على تنوعها؛ فاختلاف المذاهب بين المعلمين
والمتعلمين في الأغلب، يضعف أثر تلك المدارس من التربية العمومية، فقليل من
المصرين من يرغب في تعليم أولاده فيها، ومن أرسل بولده إليها داوم نصيحته بعدم
الالتفات إلى ما يقوله المعلمون فيها؛ حفظا لاعتقاده، ثم ذلك يحدث من الاضطراب
في طبيعة الفكر، والتزلزل في الأخلاق، ما يكون ضره أكثر من نفعه. وقد غلط
من زعم: أن لتلك المدارس الأجنبية أثرا سياسيا أو أدبيا في مصر بل قد أحدثت
بعض النفرة في قلوب المسلمين من رؤساء تلك المدارس وأممهم، ولذلك تاريخ
في البلاد معروف فهي ضارة بالألفة، مبعدة للمحبة، رغما عما يزعمه أربابها مما
يخالف ذلك، فلا يصح الاكتفاء بها في التربية عن المدارس الأهلية على اختلافها.
الجامع الأزهر
الجامع الأزهر مدرسة دينية عامة، يأتي إليها الناس: إما رغبة في تعليم
علوم الدين؛ رجاء ثواب الآخرة. وإما طمعا في بعض الامتيازات لطلاب العلم فيه.
ولا يزال بعضها إلي اليوم، ولكن مما يؤسف عليه: أنه لا نظام لها في دروسها،
ولا يسأل فيها التلميذ أيام الطلب عن شيء من أعماله، ولا يبالي أستاذه حضر عنده
في الدرس أم غاب، فهم أم لم يفهم، صلحت أخلاقه أم فسدت، ويمر عليه الزمان
الطويل، لا يسمع فيه نصيحة من أستاذه؛ تعود عليه بالإصلاح في دنياه أو دينه،
وإنما يسمع منه ما يملأ القلب بغضا؛ لكل من لم يكن على شاكلته في الاعتقاد حتى
من بني ملته، ويطبق علي الذهن غفلته، ويستفزه الطيش لتصديق كل ما يسمع؛
إذا كان موافقا لمبدأ التعصب الجاهلي، فأغلب الأوقات تمر على أهل الجد منهم في
فهم مباحثات لبعض المتأخرين لا فائدة فيها، ولا يتعلمون من الدين إلا بعض
المسائل الفقهية، وطرفا من العقائد على نهج يبعد عن حقيقته أكثر مما يقرب منها.
وجل معلوماتهم تلك الزوائد التي عرضت على الدين، ويخشى ضررها، ولا
يرجى نفعها، ثم إن المعروفين بالعلماء؛ وهم الذين يتممون دروسهم في هذه
المدرسة، ويؤذن لهم بالتدريس فيها؛ هم قدوة الناس وأئمتهم مع أنهم أقرب للتأثر
بالأوهام، والانقياد إلى الوساوس من العامة، وأسرع إلى مشايعتها منهم؛ وذلك بما
ينشؤون عليه من التعليم الرديء، والتربية المختلفة التي لا ترجع إلى أصل صحيح
فبقاؤهم فيما هم عليه اليوم، مما يؤخر الرعية عن تقدير السلطة الصالحة قدرها.
إصلاح مدرسة الأزهر لابد أن يكون بالتدريج؛ في تغير نظام الدروس
وجعلها في الابتداء تحت قواعد ساذجة قريبة من الحالة الحاضرة فيها، بحيث