تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام في الشرق؛ وهو يرسف كالغرب في قيود التقليد، ويئط من وزر الاستبداد

الثقيل، فكسر القيود، ووضع الأوزار. ولكن عاد الاستبداد إلى المسلمين بعد أقل

من نصف قرن. فكان كلما قوي يقوى التقليد، ويضعف الاستقلال حتى زال من

مجموع الأمة، وصار الأفراد المستقلون فيها كالغرباء، لا ولي لهم، ولا نصير.

قاست أوربا من بلاء الاستبداد أكثر مما قاست ممالك الشرق. وحلكت

ظلمات التقليد فيها أكثر مما حلكت في غيرها. ولكن ما عتمت أن ضاء لها قبس من

علوم عرب الأندلس وغيرهم، فوجد فيها من عرف قيمته، وأنضى في استعماله

عزيمته، حتى صار ضياء ساطعا، ونورا في تلك الآفاق لامعا، وجاءت ساعة

المشرق بطلوع الشمس من المغرب.

جاهدت أوربا أفضل الجهاد في سبيل استقلال الفكر والإرادة، حتى ظفرت

بأعدائها من رجال الدين، والملوك المستبدين، وجعلت كلمة الدليل هي العليا،

وكلمة التقليد هي السفلى، فجمعت بين عزة البداوة، ومحاسن الحضارة، فارتقت

فيها العلوم والأعمال، إلى درجة لم تعهد في جيل من الأجيال، من حيث رجع

الشرق القهقرى (وغدا يقدمه الزمان إلى ورا) .

ما كان العلم ليدع الجهل على ما هو عليه؛ حتى يحكم فيه حكمه، ويوقع على

أهله عدله أو ظلمه، اندفعت أوروبا إلى الشرق مستعمرة للأرض، أو داعية إلى

الدين، أو طالبة للكسب، فامتزج أهلها بأهله، ووصلوا حبلها بحبله، بما أنشأوا

من المدارس، وما تقلدوا من الأعمال والوظائف، فطفق أهل الشرق يتعلمون على

الطريقة الأوروبية طريقة البحث والاستدلال، والاستنباط والاستنتاج وأنشأوا

يستنشقون نسيم الاستقلال، ويتوجهون إلى طلب الكمال.

فهذه فائدة كبرى قد استفدناها من الأوروبيين، ينبغي أن نشكرها لهم، ونحمد

لأجلها معرفتهم. وليس للمسلم أن ينكر ذلك؛ محتجا بأن القرآن الحكيم قد أرشد إلى

هدم التقليد، وقام على أساس الاستقلال في الاستدلال، فإن هذا وإن كان حقا

يعترف به المنصف من علماء أوروبا، لم يكن هو المنبه في هذا العصر للشرق

عامة، وللمسلمين خاصة، ودليلنا على هذا، أن رجال الدين منا لا يزالون في

الأكثرأسرى التقليد، وأعداء الاستقلال، فيجب أن ننصف أنفسنا، ونشكر لمن نبهنا

إلى مصلحتنا.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) كتبنا هذه المقالة (للجريدة) ونشرت فيها.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٧٩