عليه، وربما وجد من الناصحين من يقول له: إن ترك ذلك العمل ضار بالصحة،
فكانت نصيحته أقرب إلى القبول من نصيحتك. وإذا قلت له: إن لهذه الفاحشة
غوائل اجتماعية: كاختلاط الأنساب، وقلة النسل، وإثارة الشرور بين المتنازعين
فيها عند المشاركة، فلا نطمع منه إن عقل قولك، بأن يترك لذته الثائرة حبا
بالمصلحة العامة. ولكن أكثر الذين يتربون تربية دينية صحيحة، لا يستحلون
الفاحشة ويستهينون بها كما يفعل من فقدوا ذلك، وإنك لتجد في كل بلد يدين أهله
بحرمة هذا الفاحشة كثيرين يتقونها خوفا من الله -عز وجل -على ضعف العلم بالدين
وعدم التربية عليه، ولولا الخرافات التي زلزلت العقائد، وشوهت وجه الأحكام:
كالاعتماد على الكفارات، والشفاعات، والغفران، لكان وقوع هذه الفاحشة من
المتدينين من النوادر.
وقل مثل ذلك في الخمر، فإن المتعلمين على الطريقة التي يطلبها المتفرنجون
والمتفلسفون؛ أعرف من غيرهم بما فيها الضرر، وهم مع ذلك أكثر شربا لها من
سواهم. وأضف إلى ذلك جريمة القمار، وما فيها من المضار، على أن المتفرنجين
والمتفلسفين منا لا يحرمون بعقولهم هذه الموبقات الثلاث، التي يجاهدها فلاسفة
أوروبا بعقولهم، وعلومهم أشد الجهاد، ويعدونها شر غوائل المدنية الأوروبية، وهي
لا تزداد بالرغم منهم إلا انتشارا.
إن الجميع متفقون على قبح الكذب وضرره، وإنهم لأعجز عن إقناع الناشئين
بتركه مهما قويت حجتهم من أضعف مرشد ديني، وإن لم يأت بحجة أو حكمة وراء
النص، وقصارى ما يبلغه قولهم من نفس من يقبله، أن يحترس من الفضيحة بالكذب
الجلي، لا أن يتركه مطلقا.
أما زعم المتفلسفين: أن تربية الدين، قد تضر بالعقل أو النفس بما فيها من
الإرهاب والتخويف، فهو زعم باطل، لا يقوله إلا من يجهل الدين والناس،
وسنبين ذلك في فرصة أخرى.
وأما القول بأن الدين فلسفة لا ينبغي أن يتلقاه إلا المتعلم المستعد لتلقي
العلوم العالية فله وجه، وفيه قصور، فإن الدين له طرفان: أدنى وهو الهداية
العامة لكل مكلف، وإن أميا جاهلا. وطرف أعلى وهو كما قيل: حكمة وفلسفة.
والصواب أن يعلم التلميذ في المدرسة الابتدائية، ما يليق به من الطرف الأول،
ويترقى به تدريجا. يعلم في السنين الأولى مع القراءة بالحكايات عن الأشياء، أن
الله -تعالى- هو الذي أعطى كل شيء خلفه ثم هدى، فإذا كان موضوع درسه
في النحل مثلا: يذكر له بعد شرح ما يليق بفهمه من حالها وأعمالها، أن الله -
تعالى- هو الذي خلقها، وألهمها أن تعمل لحفظ حياتها هذه الأعمال، ويترقى به في
ذلك.
ويعلم مع الإلهيات على هذا النحو شيئا وجيزا من سيرة النبي - صلى الله
عليه وسلم - وأخلاقه، وآدابه، ويذكر له أن الله - تعالى - ميزه هو وأمثاله من
الأنبياء بعلم خاص بهم دون سائر الناس، يهدون به الناس إلى الحق والخير، كما
ميز النحل بعلم خاص بها لا يشاركها فيه غيرها، وأما العبادات: فيجب أن
يتعلمها الناشئون بالعمل لا بالقول، وكذلك العامة اتباعا للسنة السنية (صلوا كما
رأيتموني أصلي) رواه البخاري، وأما تعليم المبتدئين فلسفة السنوسي وأمثاله في
الإلهيات: كالصفات العشرين، فهو من العبث الذي يعد جناية على الدين، من ينتقده
فإني معه أول المنتقدين، والله على ذلك من الشاهدين.
سألت أحد الفضلاء المستمسكين بالدين عن ولد له، لعله في الثانية عشرة
أيصلي؟ فقال: لا أدعه يصلي الآن؛ لأنه لا يعقل معنى الصلاة، فإذا بلغ السن
التي يفهم فيها معنى الصلاة، فإنه يصلي.
هذا الوالد الذي يرى هذا الرأي من أبناء كبار الباشوات، وقد تعلم في أوربا
وتقلد بعض الأعمال العالية في الحكومة، وهو يفهم من معنى الصلاة، ما لا يفهم
أكثر أهل الأزهر؛ لأنه قرأ الإحياء قراءة استهداء، ويقل فيهم من قرأه، وكثير من
مدرسيهم لا يعرف عدد أجزائه، ولا رأى منها شيئا، وهو على ما نعتقد غير