تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أجل الفتوحات في تحويل الشعوب من حال إلى حال. وهم ينظرون عيدا ثانيا

أو فتحا آخر بإقناع المسلمين عامة بترك العمل يوم الأحد كما فعل بعض تجارهم.

تنتزع أراضي مصر من أهلها قطعة بعد قطعة، فلا تشعر الأمة بانتزاعها؛

لأن البلاد تبقى على حالها، لا يتغير من معالمها، ولا من شؤون عولمها شيء،

وتترك مقومات الأمة ومشخصاتها، عقيدة بعد عقيدة، وعادة بعد عادة، ولا تشعر

الأمة بتركها، وما له من الأثر في حياتها؛ لأن تحول الأمم كتحول الظل، لا يشعر

أحد بحركته، ويشعر كل أحد بعاقبته، وانتقال الثروة من الشعب الكبير كانتقالها

من الرجل الواحد الذي يغتر بكثرة ماله، فيسرف ويبذر، لا يلاحظ عند كل نفقة

ما بقي من ماله، ونسبتها إلى دخله، وإنما تنحصر ملاحظته في شيء واحد وهو

أنه يملك مليونا، فهو اليوم ينفق عشرة آلاف، على أنها عشرة من مليون، وفى غد

ينفق عشرة أخرى على أنها عشرة من مليون، ولا يزال يرى المليون مليونا، وإن

لم يضم إليه شيئا، والعشرة عشرة وإن صارت بانضمامها إلى ما قبلها عشرات

فمئات، حتى تستغرق المليون فلا يبقى منه شيء، أو يبقى منه ما يكون مثله في يد

الفقير والمسكين.

لا يهولنك ما قرأت فتكون من اليائسين ولا تستهينن به فتكون من المغرورين

فإن الخطر الذي ذكرناه وإن كان صحيحا مما يمكن اتقاؤه، وإن لمصر

على ضعفها قوة المالك المدافع عن ملكه، أو المحافظ عليه في زمن لا غصب فيه،

ولا مصادرة في المال، ولا استبداد يحول دون التربية والتعليم، والمحافظة على

مقومات الأمة من اللغة والشعائر والأخلاق، والعادات. فالخطر المخشي ليس

خطرا اضطراريا لا قبل لنا به، ولا حول لنا ولا قوة على دفعه، وإنما هو خطر

نتقحم فيه بمشيئتنا واختيارنا، وإذا نحن اتقيناه كان مصدره وهو التنازع بيننا وبين

الأجانب مصدر علم وعرفان، وترق في الاجتماع والعمران، نعم إنه لا يخلو من

إثم، ولكن منافعه تكون أكبر من إثمه.

كيف يتقى هذا الخطر؟ قد علم مما مر، أن الخطر محصور في أمرين:

إضاعة الثروة، وإهمال مقومات الأمة، فأما الثروة فلها ثلاث آفات أو ثلاث

بلاليع: القمار، ومنه مضاربات البورصة، وقد فشا وباؤه في القطر المصري،

حتى لم يدع قرية ولا مزرعة (عزبة) سالمة من فتكه، وإعطاء الربا للأجانب،

وبيع الأطيان والأملاك منهم، ولا سبيل إلى إقناع الناس باتقاء هذه الآفات الثلاث،

ولكن الجرائد إذا فصلت مضارها، وكررت النذر فيها، وتتبعت الوقائع والحوادث

في تخريبها للبيوت، وإفقارها للأغنياء، وإذلالها للأعزاء، رجونا أن يقل فتكها حتى

لا يصل إلى درجة الخطر على الأمة.

وأما مقومات الأمة، فأمرها أعظم ومجال القول فيها أوسع، وإنما يخاطب في

شأنها الزعماء المصلحون، والعلماء العاملون، والأغنياء العاقلون، وأصحاب

الصحف الغيورون، والخطباء المؤثرون، إذ المدار فيها على إيجاد معاهد للتربية

والتعليم، ينشأ فيها الرجال المستقلون، والنساء القادرات على تربية الولدان وإقامة

النظام في البيوت، وهذا ما يطلب من الزعماء والأغنياء، ولا ينكر ما

للجرائد الناصحة من التأثير في الحث عليه، ثم على النصح المتتابع للأمة في

المحافظة على تلك المقومات، وإعلاء شأنها، والتقريع الشديد للذين يهملون شيئا

منها، وهذا ما يطلب من الخطباء والكتاب.

وإني لأعجب! كيف تقصر الجرائد الوطنية في هذين الركنين العظيمين؟

حفظ ثروة الأمة، وحفظ مقوماتها الجنسية وترقيتهما. وتطيل الكلام في المسائل

الخارجية والحوادث الجزئية، فيكون أكثر ما تقوله لغوا، لا فائدة فيه للجمهور،

أليست مصر أحوج إلى حفظ ثروتها ومقوماتها منها إلى سائر الأشياء؟ أليست هذه

الثروة والمقومات على خطر من التنازع مع سائر الأمم، يجب تداركه؟ أليست

الجرائد هي المطالبة ببيان ذلك والحث على تلافيه؟ بلى وعسى أن يكون عناية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٤٤