وأنتم علماء الدين وحملة الشريعة المطهرة.
ألم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - مجالس يحضرها أصحابه الكرام؟
وكانت تلك المجالس مجالس هدي وإرشاد، وتعميم نفع للعباد، وكانت أحيانا مهبط
الوحي، فيها يتلقون تعاليم الدين، وعنها يصدرون فائزين، وكذلك خلفاؤه
الراشدون من بعده، وأذكركم بنادي عمر بن الخطاب فإنه كان غاصا بالشيوخ،
والكهول، والشبان. وكان يقول: لا يمنع أحدكم حداثة السن أن يبدي رأيه. في
هذه النوادي يتعارفون، ويتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر، ويتعاونون على
البر والتقوى.
أما إذا أردنا أن نثبت ما للجمعيات من الفوائد العامة والخاصة بلسان التاريخ
فإن البحث في هذا الموضوع، يستدعي حشد مجلدات عما تأسس في العالم المتمدن
من الجمعيات، وما كان لها من النتائج على اختلاف الأحزاب والمقاصد، حتى
بالحاضرة التونسية. نحن - وإن كنا يجمعنا الجامع - متفرقون، وإن وجد بيننا
رحم علم - فنحن والحق يقال - متقاطعون، ولا أكلكم إلا للمشاهدة، وربما كانت
المشاهدة تفصح لكم عن الحالة الحاضرة أكثر مما أفصح لكم عنه هذا اليراع الكليل.
هل عملنا بالآية التي توجنا بها هذا الخطاب؟ هل عملنا بقوله تعالى: {إنما
المؤمنون إخوة} (الحجرات: 10) هل عملنا بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا
تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا) هل عملنا بقوله صلى الله
عليه وسلم: (ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؟
أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون) ونحن أبناء العلم
الديني أحق بالعمل، هل نحن أبناء العلم نألف ونؤلف، وهو من صفات الأحبين
الأقربين؟ أظن أن المجافاة بلغت بيننا النهاية، والمنافرة من غير سبب شرعي
رمتنا إلى أبعد غاية.
فهلم بنا إلى العمل بديننا القويم. وأن يصافح أحدنا الآخر مصافحة الودود
المخلص الكريم، كما جاء ذلك في حديث صاحب الخلق العظيم.
عزم إخواننا في الدين، وأبناؤكم في تلقي علومه على إحداث هذه الجمعية
المباركة، ودعوكم للانتخاب والمشاركة في العمل. الغرض من هذه الجمعية:
أولا - إيجاد روابط الألفة والوداد بين كل من أنبتته هذه المدرسة الإسلامية.
ثانيا - تمكينهم من وسائل التعاون بينهم، على ما فيه مصلحتهم العامة
والخاصة.
ثالثا - إسعاف فقراء التلامذة، وصونهم من معيشة الابتذال التي يعيشونها
اليوم بفضل الإهمال والغفلة.
وأنتم تعلمون أن قسما عظيما من تلامذة جامع الزيتونة، كادوا يتكففون،
وأنهم لا يجدون القوت الضروري إلا بطرق ممتهنة، لا ترضاها معزة العلم بل
والكرامة الإنسانية، وإن قسما مهما منهم يسكن حيث مرابط الحيوانات المعدة لذلك؛
لأن عدد المدارس التونسية - لتكاثر التلامذة - صار غير كاف لإيوائهم أجمعين،
وسيكون هذا الموضوع أهم المواضيع التي تداول الجمعية البحث فيها، وتطرق
أبواب المساعدة من همم الرجال لنوالها.
هذا أنموذج من مقاصد هذه الجمعية، وهي - وايم الله- مقاصد سامية محتاجة
إلى همم الرجال وبذل المال؛ لأنه قوام الأعمال، فمن ساعد فقد امتثل لأوامر إنفاق
المال في سبيل الله، واستحق رضاء الله وثناء الناس.
الناس خصوصا الجمعيات الأخر يزنون هممنا، ويقدرون عزائمنا، بما يكون
من نتيجة هذا المشروع، وما يحبطه من الفشل والخيبة - لا قدر الله - وهم
ينتظرون ما يكون في مشروع هيأه أمثالكم، فهل يقارنه النشاط فالعمل فالنجاح، أو
يقذفه اليأس في مهواة السقوط؟ فإن كانت الأخرى - لا قدر الله - حققتم ما خامر
بعض الأفكار، من أن حملة العلم الديني جهال بالحياة الاجتماعية، بعداء بمراحل
عن تأسيس المشروعات الخيرية - لا قدر الله وأستغفر الله -.
أنتم أكثر من كل جمعية بتونس وأوفر عددا، فهل أنتم أقوى عددا، وأعلى
همة، وأقوى استعدادا، وأسمى مدارك ونظرا للمصالح؟
منكم أهل المجلس العلي الشرعي - أيده الله - ومنكم مدرسو جامع الزيتونة