القيام بهذا الإصلاح في مجلته (المنار) التي اجتمعنا للاحتفال بها في هذه الليلة إجابة
لدعوة صديقنا الخطيب الفاضل والمحامي الشهير إسماعيل بك عاصم. إن صاحب
المنار يقاوم البدع والخرافات ويشرح الدين شرحا يسهل سبيل المدنية ويهدم العقبات
التي تعترض سالكيها ويبين كيفية سلوكها، فهو يهدم ويبني في وقت واحد.
ثم ذكر أن هذا العمل يسر المسيحيين وغيرهم من سكان الشرق ويعدونه خدمة
عامة لا خاصة بالمسلمين لأنهم يعلمون أن الشرق الأدنى لا يرتقي إلا إذا ارتقى
المسلمون؛ إذ هم العنصر الأكبر فيه. وأثنى على هذا العاجز المحتفل لأجله وأشار
إلى ما لقيه من المصاعب وصبره عليها، وعلى إسماعيل بك عاصم بما يليق بغيرته
على العلم وحبه له وإكرامه لآله.
هذه فحوى ما فاه به الدكتور الحكيم ملخصا، وقد كان موضع الإعجاب
والاستحسان كما يليق بما فيه من الإبداع والإحسان، نطق بذلك كل لسان بعد ما
نطقت بالتصفيق اليدان.
ثم قام سيد أفندي محمد صاحب المجلة المدرسية (وناظر المدرسة التحضيرية
الكبرى) وارتجل خطبة ضافية الذيول متدفقة السيول، مدح فيها العلم وأهله وحمد
فيها المحتفل وأطرى المحتفل لأجله، ومما قاله أنه عرف صاحب المنار
أول مقدمه لهذه الديار، وعلم أنه سينشئ صحيفة إصلاحية فيها، لذلك كان من
المواظبين على قراءة المنار والاستفادة منه منذ ظهر إلى الآن. وأنه لم يكن قبل
المنار يسمع صوتا ولا يرى كتابة تنشر في مقاومة البدع والخرافات. ثم ذكر ما لقي
المنار من المقاومة والمعاداة وصبر صاحبه على ذلك حتى تم نوره وعم ظهوره
وانتشر تعليمه وانتفع الناس به. وصرح بأن المقاومين له من العلماء وغيرهم قد
انتفعوا هم أنفسهم به وصاروا يفكرون في حالهم ومآلهم وما ينبغي أن يكونوا عليه
في هذا العصر، وقد بالغ في إطراء هذا العاجز وتحليته بالألقاب التي لا يستحقها إذ
لم يكن يشير إليه إلا بكلمة (أستاذنا) وما يصله بها من النعوت العالية فجزاه الله
عن حسن ظنه بأخيه خيرا. وقد أثنى على المحتفل الكريم في فاتحة القول وختامه
بل في كثير من أجزائه وأقسامه، وصفق له السامعون مرارا.
ثم قام توفيق أفندي عزوز صاحب مجلة (المفتاح) خطيبا وهو من كتاب
وخطباء القبط، أصهار الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكر أن مجلته قريبة من مجلة
المنار في السن فهي في السنة التاسعة من عمرها، وأفاض في تفضيل المجلات
على الجرائد وأثنى على المحتفل وهنأ المحتفل لأجله.
وكان حسن بك حمادة صاحب مجلة (الأحكام الشرعية) قد أعد شيئا وكتبه
ليجعله أصلا لخطبة يلقيها فضاق الوقت بإطالة الخطيبين الآخرين فمنعه كغيره عن
الخطابة فأعطاني ما كان كتبه وهو بنصه:
(لو مضت سنة الأدب بأن لا يهنأ الشخص بسار، إلا بعبارة تحيط بوصفه
مسبوكة في قالب من البلاغة مساو لبلاغته، لوجب على حضرة الأخ الفاضل السيد
محمد رشيد رضا صاحب المنار الأغر أن يقوم بتهنئة نفسه ويؤدي هذا الفرض عن
هذا العاجز، ولكن الله سبحانه وتعالى يقبل شكر عباده على قصورهم عن أداء
واجبه، وصاحب المنار خير من تخلق بخلق مولاه فأطلب إليه أن يتقبل تهنئة هذا
الضعيف له على ثبات إرادته ومغالبته لما اعترضه من الصعاب في سبيل عمله
الجليل الذي يؤديه للعالم الإسلامي بل العالم الإنساني.
إذا قضى واجب الوطنية والتابعية علينا مرة بمشاطرة صاحب المنار الأغر
السرور بهذا العيد الأدبي، فإن واجب الدين الذي وقف صاحب المنار نفسه لخدمته،
وصرف مواهبه في الذب عن حوضه، يوجب علينا ذلك مرات كثيرة، وقد ضمنا
من ورائها أدب أقمناه مقام الوالد.
وإني أحس كما يحس كل صادق في خدمة العلم الصحيح ساع في خير
الإنسانية، وبعبارة أجلى كما يحس كل شخص ضمته حاشيتا هذا المحفل الزاهر بأن
نجاح صاحب المنار الأغر، وقطعه لهذا العقد من السنوات خطوة واسعة في ارتقاء