تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا * وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم

سباتا وجعل النهار نشورا * وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا

من السماء ماء طهورا * لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} (الفرقان: 45-49) .

فكيف تحصرون جميع أمور الدين، فيما سكت عنه الكتاب أو أجمله أو فوضه

إلى المستنبطين، وتجعلون ما فصل الإرشاد إليه، وجعل المعول في معرفته تعالى

عليه، هو الذي يأتي بنيانه من القواعد، ويقتلع أصول أحكامه والعقائد، أليس هذا

منتهى التفريط في الكتاب الذي ما فرط الله فيه من شيء؟ {ونزلنا عليك الكتاب

تبيانا لكل شيء} (النحل: 89) {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس

إلا كفورا} (الفرقان: 50) .

إذا شغلك الفقه عن آيات الله التي بين يديك، فهل يصح أن يشغلك عن آياته

في نفسك التي بين جنبيك، ألم يرشد القرآن إلى السير في الأرض؛ لاستطلاع

العبر؟ ألم ينبئك بسننه في نظام البشر، ألم يهدك إلى أنه- تعالى -لا يهلك

المصلحين؟ وإن كانوا في العقيدة مشركين، وأنه لا يبقي على الظالمين، وأن

العاقبة للمتقين، فما لك لا تعد من هذا الدين معرفة تواريخ الأمم الغابرة، واختبار

أحوال الأمم الحاضرة، ومعرفة الأقطار والبقاع، والعلم بشؤون الاجتماع، أليس

هذا من إقامة القرآن، واستعمال الفرقان والميزان؟ أليس قد أنزل الثلاثة لترقية

شأن الإنسان؟ فكيف تشغلك أحكام حركات الأبدان، ومعاملات الأقران، عن حكم

الديان، في الأناسي والأكوان؟ {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا

ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا * وهو الذي خلق من الماء بشرا

فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا} (الفرقان: 53-54) .

ألا ليت الذين يجعلون هذا الفقه معظم الدين، عنوا به بعض عناية أهل

القوانين، فطابقوا بينه وبين مصالح الناس، من جميع الشعوب والأجناس، وقربوه

من الأفهام، وأبعدوه عن الأوهام، إذا لبقي لهم ذكرا وشرفا، ولم تجد حكامهم عنه

منصرفا، وها نحن أولاء، نراهم قد نسخوا أحكامه السياسية والمدنية والجنائية، ولم

يتركوا للمسلمين إلا ما يعتقدون من الأحوال الشخصية، وهل كانت أحكام فقهائهم فيها

مرضية، أم تتألم الحكومة منها، وتتألم الرعية؟ ألا إنهم قد نفروا الناس من الفقه

والدين، ولولا الجرايات والعسكرية؛ لأعرض عن ممارسة كتبهم أكثر هؤلاء

الشراذم المقبلين، ولو رجعوا إلى هداية القرآن، وأقاموا الفرقان والميزان، وتركوا

التقليد وأحسنوا الحديد، لولوا عن هذه الكتب نفورا، وأوتوا الحكمة {ومن يؤت

الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (البقرة: 269) {وإذا

رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا} (الإنسان: 20) .

إن بعد رجال الدين عن علوم القرآن والفرقان؛ والميزان والحديد، وجمودهم

على ما أوجبوه على أنفسهم من التقليد، جعلهم بمعزل من الزعامة، وحرمهم مقام

الأسوة والإمامة، فلم يبق لهم شيء من الأمر والنهي، وباتوا لا يقصد إليهم في

الاستشارة والرأي، ولا يستفتون في إدارة المصالح ودرء المفاسد، ولا يعتمد عليهم

في نظام التربية والتعليم في المدارس والمكاتب، فقلت بعدم الثقة بهم ثقة الناس

بالدين، وكثر الفسق في الجاهلين والكفر في المتعلمين، انحلت رابطة جامعته

الجنسية، وكادت تنفصم عروة أخوته الروحية، وأنشأت الشعوب تتعصب لجنسيتها

الجاهلية، في الأنساب واللغات، والأوطان والجهات، يتسللون منه لواذا ويفارقون

الجماعة أفذاذا، فسهل على الأجانب تخطفهم شعبا شعبا، وانتقاص بلادهم قطرا

قطرا، ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا﴾ (الإسراء:

41) .

اللهم قد ثقلت علينا الأوزار، فأحاطت بنا النوائب والأخطار، ولا نكاد نرى

فينا علماء يدعون إلى القرآن، ولا حكماء يرفعون شأننا في علوم الفرقان، ولا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣