فأما ركن الكتاب فبزعمهم أن فهمه، والاهتداء به خاص بنفر يسمون
المجتهدين، وأنهم انقرضوا وقد عقم الزمان عن مثلهم إلى يوم الدين. وأما ركن
الفرقان فيما أهملوا من الحكمة العقلية والدينية، والعلوم النظرية والعملية. وأما ركن
الميزان فبإباحة الاستبداد لذوي السلطان، وتحتيم طاعتهم، ولو في الإثم والعدوان.
وأما ركن الحديد: فبالإعراض عن الأعمال الصناعية، وما تتوقف عليه من
الفنون الرياضية والطبيعية، فمتى يثبت لشعوبهم ودولهم بنيان، وقد هدموا
جميع هذه الأركان، وفسقوا عن هداية القرآن، {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا
مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (الإسراء: 16) .
فالمنار يدعو المسلمين إلى إقامة الأركان الأربعة باسم الإسلام، من حيث
يحتجون على هدمها بالإسلام. وإنما إقامتها أن يكون أمر الأمة بأيدي أهل القرآن
العرفاء، وأصحاب الفرقان الحكماء، ومقيمي الميزان في السياسة والقضاء، وحملة
الحديد لمدافعة الأعداء ومنع الاعتداء، وهؤلاء الأصناف هم: أولو الأمر، الذين لم
يجب أن يرد إليهم كل أمر، وهم أهل الإجماع الجديرون بالاتباع، وهم أحل الحل
والعقد الذين ينقضون ويبرمون، ويحلون ويعقدون، وهم أهل الشورى الذين
ينصبون الخلفاء والأمراء، ويضعون الأحكام في السياسة والإدارة والقضاء، وعلى
هذا أراد النبي تربية المؤمنين واتبعه بقدر الاستعداد الخلفاء الراشدون، وبترك هذا
حل ما حل من البلاء بالمسلمين {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء: 82) .
بهذه الأركان الأربعة كان الإسلام دين الفطرة، والهادي بسنن الشريعة إلى
كمال سنن الطبيعة، {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا
تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (الروم: 30)
فالمسلم من يقيم دين الله، بإقامة سنن فطرة الله، ومن يجمع بين العلم بما أنزل
الله، والعلم بما خلق الله، ويفقه الاتفاق بين قوله: ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ (يونس: 64) ، وقوله: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ (الروم: 30) ، ومن ذهب إلى
التفريق بين دين الله وفطرته، وزعم أن العلم بكتاب الله لا يتفق مع العلم بخليقته،
فقد جهل الخالق والخليقة، والشريعة والحقيقة، وكان حجابا دون الإيمان، يصد
عنه أولي العلم والعرفان، فما بال من يزعم أن العلم والدين ضدان، أولئك أعداء
القرآن، وأولياء الشيطان {ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا
مبينا} (النساء: 119) ﴿يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ (النساء: 120) .
أيحسب هؤلاء الهائمون في أودية الأوهام؛ أن هذا الشيء الذي يسمونه فقها
هو الإسلام؟ أليس أصل هذا الإسلام هو القرآن؟ أليست السنة من قبيل العمل به
والبيان؟ فما بالهم قد حصروا الدين فيما لم يحفل بأكثره الكتاب، ولم يفصل فيه
شيء مما وضعوا له من الفصول أو فتحوا من الأبواب؟ أرأيتك كم سورة أو آية
نزلت في أحكام البيع والإيجار، والكفالة والحوالة والجعالة والإقرار، والمساقاة
والمزارعة، والشفعة والوديعة والرهان، والحجر والصلح والغصب والضمان؟ بل
أين ما أكثرتم من أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس؟ وما أطلتم به من الكلام
على الطهارة والطهارات والأنجاس؟ وما جئتم به في جميع العبادات من الرأي
والقياس؟ هل أنزل الله في ذلك كله عشر معشار ما أنزل من الأمر بالنظر في
المخلوقات، واجتلاء آياته في الأرض والسموات من تصريف الرياح والبحار،
وتفجير الينابيع والأنهار، وإنبات الحدائق والجنات متشابهات وغير متشابهات،
وتسخير الدواب والأنعام، والجواري المنشآت في البحر كالأعلام، ونصب الجبال
كالأوتاد، وبناء السبع الشداد، ورفع السماء ووضع الميزان، وجعل الشمس والقمر
بحسبان؟ {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس