من فنون العقائد والآراء، هذا مع حكاية مذهبهم على وجهه ليتبين لهؤلاء الملحدة
تقليدا اتفاق كل مرموق من الأوائل والأواخر على الإيمان بالله واليوم الآخر، وأن
الاختلافات راجعة إلى تفاصيل خارجة عن هذين القطبين اللذين لأجلهما بعث
الأنبياء المؤيدون بالمعجزات، وأنه لم يذهب إلى إنكارهما إلا شرذمة يسيرة من
ذوي العقول المنكوسة، والآراء المعكوسة، الذين لا يؤبه لهم ولا يعبأ بهم فيما بين
النظار، ولا يعدون إلا في زمرة الشياطين الأشرار وغمار الأغبياء والأغمار ليكف
عن غلوائه، من يظن أن التجمل بالكفر تقليدا يدل على حسن آرائه، أو يشعر
بفطنته وذكائه، إذ يتحقق أن هؤلاء الذين تشبه بهم من زعماء الفلاسفة وروسائهم
براء عما قذفوا من جحد الشرائع، وأنهم مؤمنون بالله ومصدقون لرسله، ولكنهم
اختبطوا في تفاصيل بعد هذه الأصول، قد زلوا فيها فضلوا وأضلوا عن سواء
السبيل، ونحن نكشف عن فنون ما انخدعوا به من التخاييل والأباطيل، ونبين أن
ذلك تهويل ما وراءه تحصيل، والله تعالى ولي التوفيق لإظهار ما قصدناه من
التحقيق.
ولنصدر الآن الكتاب بمقدمات تعرب عن مساق الكلام في الكتاب:
مقدمة
ليعلم أن الخوض في حكاية اختلاف الفلاسفة تطويل، فإن حبلهم طويل
ونزاعهم كثير وآرائهم منتشرة وطرقهم متباعدة متدابرة، فلنقتصر على إظهار
التناقض في رأي مقدمهم الذي هو الفيلسوف المطلق والمعلم الأول، فإنه رتب
علومهم وهذبها بزعمهم، وحذف الحشو من آرائهم وانتقى ما هو الأقرب إلى
أصول أهوائهم، وهوأرسطاطاليس. وقد رد على كل من قبله حتى على أستاذه
الملقب عندهم بأفلاطون الإلهي ثم اعتذر عن مخالفته أستاذه بأن قال: أفلاطون
صديق والحق صديق ولكن الحق أصدق منه وإنما نقلنا هذه الحكاية عنهم ليعلم
أنه لا ثبت ولا إيقان لمذهبهم عندهم، وأنهم يحكمون بظن وتخمين من
غير تحقيق ويقين ويستدرجون به ضعفاء العقول. ولو كانت علومهم
الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية والمنطقية، لما
اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية. ثم المترجمون لكلام أرسطاطاليس لم
ينفك كلامهم عن تحريف وتبديل محوج إلى تفسير وتأويل، حتى أثار ذلك أيضا
نزاعا بينهم. وأقومهم بالنقل والتحقيق من المتفلسفة الإسلامية الفارابي أبو نصر
وابن سينا، فلنقتصر على إبطال ما اختاراه ورأياه الصحيح من مذاهب رؤسائهم
في الضلال، فإن ما هجراه واستنكفا من المتابعة فيه لا يتمارى في اختلاله، ولا
يفتقر إلى نظر طويل في إبطاله، فليعلم أنا مقتصرون على رد مذاهبهم بحسب
نقل هذين الرجلين كيلا ينتشر الكلام بحسب انتشار المذاهب.
مقدمة ثانية
ليعلم أن الخلاف بينهم وبين غيرهم من الفرق على ثلاثة أقسام:
(قسم) يرجع النزاع فيه إلى لفظ مجرد كتسميتهم صانع العالم - تعالى عن
قولهم - جواهر مع تفسير الجوهر بأنه الموجود لا في موضوع، أي القائم بنفسه
الذي لا يحتاج إلى مقوم يقوم ذاته، ولم يريدوا بالجوهر المتحيز على ما أراده
خصومهم ولسنا نخوض في إبطال هذا لأن معنى القائم بالنفس إذن صار متفقا عليه.
رجع الكلام في التبعير باسم الجوهر عن هذا المعنى إلى البحث عن اللغة، وأكثرهم
لا يسمونه جوهر وإن سوغت اللغة إطلاقه. رجع جواز إطلاقه في الشرع إلى
المباحث الفقهية، فإن تحريم إطلاق الأسامي وإباحتها يؤخذ مما يدل عليه ظواهر
الشرع. ولعلك تقول: هذا إنما ذكره المتكلمون في الصفات ولم يورده الفقهاء في
فن الفقه. فلا ينبغي أن يلتبس عليك حقائق الأمور بالعادات والمراسم، فقد عرفت أنه
بحث عن جواز التلفظ بلفظ صدق معناه على المسمى به، فهو كالبحث عن جواز
فعل من الأفعال.
(القسم الثاني) ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من أصول الدين وليس من
ضرورة تصديق الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم منازعتهم فيه، كقولهم أن كسوف