تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مليون يوافقونه في اعتقاده، وأكثر المسلمين يجهل ذلك بالتفصيل، ولا يكون جانيا

على مذهب أحد، ولا حائلا بينه وبين عالم يتقلد رأيه. ولكنه يعلمه إذا كان متبعا

لمذهب، أن ما ينفرد به في مذهبه لا ينافي أخوة الإسلام بينه وبين من لا يتبع

مذهبه.

لن يتيسر هذا المسلك لأعضاء المؤتمرإلا إذا كان فيهم العلماء بالكتاب والسنة،

وتاريخ الإسلام، والعلماء بشؤون العصر وما تقتضيه المدنية من العلوم والفنون

والأعمال، بحيث يكون عند علماء الدين من علوم الدنيا، وعند علماء الدنيا من

العلم بالدين ما يمكن الفريقين من الاتفاق على الجمع بين الدنيا والدين، كما

تقتضيه مزية الإسلام الذي هو الدين الموافق لمصلحة البشر في كل زمان ومكان.

يقول بعض الباحثين في مسألة المؤتمر: إنه يجب أن يكون في أعضائه

بعض الشيوخ من علماء الرسوم المقلدين للمذاهب الأربعة؛ ليثق بما يقرره عوام

المسلمين. ويرد عليهم آخرون قائلين: إن الإصلاح لا يأتي من العوام، وإنما يأتي

من خواص العقلاء، وإن هؤلاء المقلدين إذا وجدوا في المؤتمر محافظين على

تقاليدهم فهم الذين يحولون دون الاستفادة منه، ومن يهتم بمداراة العوام لا يأتي منه

إصلاح؛ إذ يكون العوام حينئذ أئمة له في الحقيقة، وإن كان يتوهم أنه سيؤمهم

بالحيلة. فالمصلح الحقيقي هو الذي لا يخاف في بيان الحق لومة لائم ولا نفور

عامي ولا مقاومة خاصي، بل يقرر الحق ويدعو أمثاله من العارفين إلى مؤازرته

وموالاته، والحق يعلو ولا يعلى. وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه.

لذلك قال عاقل من العظماء: إنني لا أفهم معنى (مؤتمر إسلامي) يتصدى

للقيام به من لم يبحث في عمره يوما واحدا عن الإصلاح الديني، ولا عن أسباب ما

ألم بالمسلمين. وإنما يكون إنشاء المؤتمر معقولا، إذا تصدى للدعوة إليه من جعلوا

جل همهم البحث عن أحوال المسلمين في ماضيهم وحاضرهم، وأسباب ما عرض

لهم في دينهم مما ليس منه؛ كفلان وفلان فهم الذين يجب أن يختاروا من يرونه أهلا

لأمثال هذه المباحث.

ويقول بعض أهل البحث والرأي: إن الشعوب لما تستعد لمثل هذا المؤتمر،

فهو غير ممكن الآن من حيث طبيعة الاجتماع، وإن كان ممكنا في نظر العقل،

يعني أن الإصلاح المطلوب يرجع إلى مسائل يقل العارفون بها في بعض الأقطار،

ويعز اجتماعهم، واجتماع غيرهم لا يفيد المطلوب. وإذا اتفق أن اجتمعوا،

فلا بد أن يمتزجوا بغيرهم ممن لا يوافقهم على رأيهم، فإذا كان لديهم من الشجاعة

ما يحملهم على الجهر بالحق الذي يعلمونه غير مبالين بطعن الطاعنين،

فلا يرجى أن يتقرر ما يرتؤونه، وربما تقرر رفضه وإعلان مخالفته

للدين، فيكون ذلك مبعدا للإصلاح وعقبة في طريقه يقيمها المؤتمر،

فينعكس الأمر ويتبدل الوضع، ويكون المؤتمر ضارا لا نافعا.

ويقول آخرون: إن أقل فائدة يجنيها المسلمون من المؤتمر وراء تعارف أهل

الفضل والرأي منهم، هو أن ما يتفقون عليه يكون جديرا بالقبول، ولا يمكن أن

يتفقوا كلهم أو أكثرهم على شيء ضار، فإذا لم يهتدوا إلى كل المطلوب من

الإصلاح، فلابد أن يهتدوا إلى بعضه، وما يفوتهم منه في الاجتماع الأول يرجى

أن يهتدوا إليه في الاجتماعات التي تليه، وأمور الإصلاح لا تكون إلا بالتدريج.

ولكن هذا يتوقف على أن يقوم بالأمر أهله.

ومن الناس من يرى أن اجتماع المؤتمر يتوقف على إذن الحكومة ومساعدتها

ولذلك اقترح داعيته إسماعيل بك فيما اقترح استئذانها، وما ضمنه من إجابة طائفة

من الروسيين والإيرانيين يبين ذلك، والحكومة المصرية لا تأذن بهذا المؤتمر ولا

تساعد القائمين به، لا سيما إذا كان فيهم من يشتغل بالسياسة ومن يتهم بالغرض؛

لأنه ممن لم يعرف عنه قط البحث في أمور الدين وطرق إصلاح المسلمين؛

كبعض المعزولين والمتقاعدين (المحالين على المعاش) . وإذا لم تأذن به الحكومة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٨٥