تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إسلامي، وفصلنا ما يجب أن تقوم به هذه الجمعية من الإصلاح في العقائد والتعاليم

الأدبية والأحكام القضائية والمدنية، واللغة، ومن تلافي البدع والتعاليم الفاسدة [*] .

وإنما جعلنا هذا الإصلاح مقترحا على سلطان آل عثمان لبيان أنه واجب عليه؛

لأنه هو القادر على تنفيذ ذلك، ويمنع من يتصدى له هناك من دونه.

ثم إن السيد عبد الرحمن الكواكبي (رحمه الله تعالى) قدم إلى مصر في سنة

1318، ونشر فيها كتاب (سجل جمعية أم القرى) الذي صور فيه انعقاد تلك

الجمعية المقترحة خفية بدون علم الحكومة العثمانية وأمير مكة المكرمة (الشريف)

وإن ذلك كان في موسم سنة 1316.

كل ذلك كان الإصلاح الديني فيه ممزوجا بالإصلاح السياسي على النهج الذي

جرى عليه المسلمون من اشتمال الدين على كل شيء. وكذلك كانت فكرة المقترح

الأول السيد جمال الدين رحمه الله تعالى.

ثم إن الأستاذ الإمام وجه ذهنه بعد مفارقة السيد جمال الدين في أوربا،

وعودته هو إلى سوريا ثم إلى مصر، يحاول الوصول إلى إصلاح حال المسلمين

بإقناع الحكومة بسلوك الطريقة المثلى لتربية المسلمين وتعليمهم، فكتب ثلاث

لوائح [1] : أحداهما لإصلاح المملكة العثمانية عامة، وقدمها إلى شيخ الإسلام في

الآستانة سنة 1304 ليقدمها إلى السلطان. والثانية - لإصلاح سوريا وقدمها إلى

واليها بعد إرسال الأولى إلى الآستانة. والثالثة - لإصلاح التربية الدينية والتعليم

في مصر، ولم تعمل الحكومة العثمانية ولا المصرية بما اقترحه عليهما، ولو عملت

إحداهما به لعملت ما يعجز عن كل مثله جمعية ومؤتمر لإصلاح الدين.

ثم رأينا الأستاذ الإمام في السنين الأخيرة من عمره، قد استقر رأيه على

اليأس من حكام المسلمين، وحصر الرجاء في عقلاء أهل العلم والفضل يدعون إلى

الإصلاح حيث يجدون حرية مع تجنب السياسة ظاهرا وباطنا، ومسالمة أهل

السلطة سرا وجهرا، والرضا منهم بعدم معارضة الإصلاح في العقائد والأخلاق

والآداب وروابط الاجتماع الأهلية والقومية. فإن عارضوا فالرأي أن يبذل الجهد في

إقناعهم، وكان يرى أن هذا متيسر للمصلحين العقلاء مع حكام المسلمين

الأوربيين، إذا ظهر لهؤلاء أن الأمر لا سياسية فيه. ومن الأمثال المأثورة عنه (ما

دخلت السياسة في عمل إلا وأفسدته) وإننا نرى عقلاء المسلمين يكادون يجمعون

على هذا الرأي.

جاء مصر في هذه الأيام (إسماعيل بك غصبرنسكي) صاحب جريدة

(ترجمان) التركية التي تصدر في (بغجه سراي) من بلاد القريم التابعة

لروسيا، وتلا على جمهور عظيم من سكان مصر الخطبة التي نشرنا ترجمتها قبل

هذه المقالة، واقترح في آخرها تأليف مؤتمر إسلامي ينعقد في مصر؛ للبحث عن

الأسباب التي كان بها المسلمون متأخرون عن غيرهم من الأمم، واشترط أن لا

تطرق مباحثه باب السياسة بل تحصر في الأسباب الاجتماعية والاقتصادية. وما

هى هذه الأسباب الاجتماعية والاقتصادية؟

نحن نقول: إن المسلمين كغيرهم من البشر، مستعدون لكل ارتقاء وحضارة

وإن المانع لهم من ذلك أمران: استبداد السياسية، والجمود على التقاليد الدينية التي

قيدتهم في كل شيء، حتى في تصرفهم في بيوتهم وأموالهم. وأضرب لهم مثلا

علماء الأزهر الذين يستنكرون أشد الاستنكار لبس الأحذية السوداء المعروفة هنا

بالجزم (جمع جزمة) وقضاة الشرع الذين يأبون أن يكون في المحكمة الشرعية

أجراس كهربائية لطلب الكتاب والمحضرين والخدم؛ لأن هذا وذاك مما لايليق بأهل

الدين؛ أو لأنه لا يخلو من كراهة شرعية. فهذا المثل الصغير ينبئ عن أمر كبير

وإن هزئ به الجهلاء، أو اشتغل به عن الموضوع أهل الأهواء، فهو كمثل البعوضة والذباب في القرآن.

فالمسلمون لا يقدرون على مجاراة أمة مطلقة من القيود التي تقيد الفكر أن

يأخذ مداه في كل علم ورأي، وتقيد الإرادة أن تنفذ كل عمل يظهر للمفكرين أنه نافع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٨٢