النافعة. وأطلال مرصد سمرقند تشهد بشغف هذه الأمة بالعلم والعرفان، ثم ألا
نرى الفنلنديين والمجر يبارون الأقوام المتمدنة ويجارونهم في كل شؤونهم. ونحن
نعرف أن هاتين الأمتين والترك يتفرعون من أصل واحد [1] .
القصد أيها السادة من سرد جميع هذه الأدلة التاريخية، إثبات أنه ليس سبب
انحطاط العرب والترك اليوم هو نقص في فطرتهم، وضعف في استعدادهم. وأما
الدين الإسلامي الذي ندين به فهو دين يخاطب العقل ويحث على العمل الدءوب،
وينوط نجاح الإنسان بعمله. ولكن سيرتنا تخالف هذه الأصول الكريمة الدينية
مخالفة ظاهرة. وما السبب في هذه المخالفة أيضا؟
إني أرى أيها السادة أن الجواب على تلك الأسئلة المهمة، وكشف النقاب
عن أسباب انحطاط الأمة الإسلامية، لا يتيسرا كاملا لفرد أو فردين، بل لا مندوحة
للبحث في ذلك عن عقد مؤتمر إسلامي عام يجتمع فيه علماؤنا وفضلاؤنا، ثم
يتفاوضون في الشؤون الإسلامية.
لا يفهمن أحد أني أرمي باقتراح عقد مؤتمر على هذه الصورة إلى غاية
(بانسلاميزم) أي الجامعة الإسلامية التي يتشاءم منها الأوربيون. وإنما غرضي
الوحيد من عقد هذا المؤتمر هو البحث عن أسباب انحطاط الأمة الإسلامية،
وفتح أبواب النجاح في الأمور الاقتصادية والاجتماعية، واختيار السبل القويمة التي
تصل بنا إلى أخذ نصيبنا من المدنية الغربية الحاضرة.
ولا ننكر أنه كان لاكتشاف أميركا ورقي الصناعات والميكانيكات في
الغرب، تأثير يذكر في افتقار الشعوب الإسلامية وفقدان وجوه الكسب. بيد أن
العامل القوي في انحطاطنا - على ما أظن - هو الجمود على بعض العادات والقواعد
الواهية، والأوهام والخرافات التي ورثناها عن آبائنا، أو تسربت إلينا من الأمم
الأخرى بحكم الزمان. ومن أجل ذلك أبدي وأعيد أن حاجتنا شديدة إلى المؤتمر العام لكشف الحجب عن الحقائق.
فاسمحوا لي أيها السادة - والأمر على ما ذكر - أن أقترح عليكم عقد مؤتمر
إسلامي عام، لا يتطرف قط إلى البحث في الأمور السياسية، وتكون باب
داره مفتوحة لكل أحد ممن يحبون استماع المذاكرات، وتنشر خلاصات
المناقشات في الصحف المنتشرة، وأرى أن يعقد المؤتمر في عيد الفطر من السنة
القادمة أو بعده.
ويحسن أن ينعقد هذا المؤتمر في الآستانة العلية، أو في مصر المركز الثاني. ولا
أري سببا يحملنا على عقد هذا المؤتمر الذي يتفاوض فيه بالمسائل المدنية [2]
والعلمية في جنيف مثلا.
أيها السادة: إذا وافقتموني على هذا الاقتراح، فلابد من التمهيد لهذا الأمر
الخطير منذ الآن. فيتحتم علينا من اليوم تأليف لجنة من العلماء والمتنورين تشتغل
بهذا التمهيد، مثلا: تخبر هذه اللجنة الحكومة المحلية بجلية الأمر، وتضع للمؤتمر
برنامجا إجماليا، وتعين زمن انعقاد زمن المؤتمر، وتتولى مراسلة من يرجعون
إليها من سائر الأقطار.
ولا ريب أن هذه اللجنة تفتقر إلى قدر من النقود ولكنى لا أظن مطلقا أن
المانع يكون من الوجهة المالية.
ومن منا يمتنع أيها السادة أن يتفضل على هذه اللجنة بما في استطاعته من
المال؟ هل يجيب المسلمون داعي هذا المؤتمر؟ هذا سؤال أنا أجيب عن جزء منه
قائلا: إني على ثقة من أن خمسة عشر أو عشرين مندوبا من روسيا، ومن إيران
يجيبون الطلب.
أيها السادة: هذا ما أردت عرضه على حضراتكم في هذا الاجتماع. وقد
استوقفتكم زمنا طويلا. فأسألكم أن تصفحوا عن هذا العاجز صفحا جميلا اه.
-----------------
<span class="footnote">
(*) راجع باب الأخبار.
(1) قال الخطيب: إنه سقط من الخطبة ذكر الفرس والهنود، وأهل الأفغان وجاوه والمغرب، والمراد أن فطرتهم قابلة للعلم والمدنية، كالعرب والترك وسائر الأجناس.
(2) لعل الأصل المراد (الدينية) فهي التي لا يليق تخصيص مثل جنيف إليها بعقد مؤتمرها.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا