تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زمان ومكان بحسبه. وأقول الآن: فقد كان قضاة المسلمين ممن يسمون بلسان

الأوربيين الآن بقضاة العدل والإنصاف. ثم أوردنا الأحاديث وآثار الصحابة الدالة

على تلك الأركان، ومما أوردناه في سنتهم في الاستشارة وعدم الاستبداد فيما لا نص

فيه ما جاء في (ص 127 م 5) .

(روى الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد

عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، وإن لم

يجد في كتاب الله نظر هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة، فإن علمها

قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال:أتاني كذا وكذا، فنظرت

في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجد في ذلك شيئا،

فهل تعلمون أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام

الرهط، فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله (صلى الله

عليه وسلم) ويقول عند ذلك: (الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا) وإن

أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم (أي الذين هم أولو الأمر في الآية)

فاسثشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به. وإن عمر بن الخطاب كان يفعل

ذلك، وكان يرجع إلى أقضية أبي بكر ... إلخ. أقول: فأنت ترى أن ما جروا

عليه في الصدر الأول كان منتهى الكمال الممكن في عصرهم الكافل

لحاجتهم.

ولكن حدثت للمسلمين بعد ذلك حاجات أخرى: فقد فتحوا المدائن والأمصار،

ودخل الناس في دينهم أفواجا من جميع الأمم والملل، فكثرت حاجات العمران،

وحدثت للناس أقضية كثيرة لم يكن لها نظير في الصدر الأول، كما قال عمر بن

عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا. ثم إن هؤلاء الناس لم يكونوا من فهم الدين والاهتداء به كما كان أهل العصر الأول، ومن ثم احتيج إلى وضع

قوانين عامة يعرفها الناس ويتقاضون بها، وكان يجب بمقتضى هداية القرآن أن

يجتمع لذلك أولو الأمر، وهم المعبر عنهم في الأثر المذكور آنفا برؤوس المسلمين

وعلمائهم، فيضعوه، وتجري الأحكام عليه، ما لم يروا تحويره وتنقيحه. ولكنهم

تركوا ذلك للأفراد يكتبون متفرقين ما يظهر لهم أن الأمة محتاجة إليه فكثرت المذاهب

والآراء، وكان ينصب القاضي من هؤلاء الأفراد المنصرفين إلى وضع الأحكام

برأيهم واجتهادهم، حتى إذا ما ضعف العلم بفشو تقليد أفراد من المصنفين في

الأحكام، صار الحكام المستبدون يولون القضاء أفرادا من متعلمي مذاهبهم، فكان ذلك

نقصا في القضاء عند المسلمين؛ سببه عدم الاهتداء بما سبق تقريره من أصول

الدين، مع ما طرأ عليهم من الأمراض الاجتماعية والفتن السياسية، فتبعة

التقصيرعلى المسلمين، لا شيء منه يلصق بهداية الإسلام.

فوض القرآن لجماعة أولي الأمر أن يستنبطوا للأمة ما تحتاج إليه بالشورى فلم

يفعلوا، ونهاهم عن تقليد الأفراد فقلدوهم، ونهاهم في آيات كثيرة عن التفرق

والخلاف فتفرقوا واختلفوا، ولو وضع لهم أولو الأمر قانونا مدونا لا خلاف فيه،

بحيث يعرف الحاكم والمحكومون ما به يكون الحكم، لكانوا مهتدين بهدي الإسلام،

ولم يمنع ذلك من أن يكون القاضي مجتهدا، كما كان في عهد السلف مع التزام أحكام

الكتاب والسنة، فإن ما يضعه أولو الأمر لمصلحة الدنيا واجب الاتباع بنص

القرآن، كما يجب اتباع الله ورسوله. وحينئذ يكون جل اجتهاد القاضي في تطبيق

أحكام الكتاب والسنة وقانون أولي الأمر على القضايا، وأقله فيما عساه يعرض من

القضايا التي أغفلها القانون ولا نص فيها، ويشترط في ذلك أن يقرن اجتهاده باجتهاد

غيره. كما يحصل نظير ذلك في محاكم الاستئناف على الطريقة الأوربية.

(السؤال الثاني)

(س 51) إن ما جرى عليه المسلمون من حكم القاضي بأحد المذاهب التي

قلدها الجمهور (وهو مذهب الحاكم العام في كل مملكة غالبا أو دائما) يستلزم إذا

استبدل قاض تابع لمذهب بقاض تابع لآخر، أن يحكم القاضي الجديد بمذهبه بين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٦٤