مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، ولا يحاول معبر أن
يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح، لا يمكنه الاحتراز عنه، وعلى الجملة
ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول , وطائفة الاتحاد , وطائفة
الوصول , وكل ذلك أخطاء وقد بينا وجه الخطأ فيه في كتاب المقصد الأقصى، بل
الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول (شعر) :
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
وبالجملة فمن لم يرزق منه شيئا بالذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا
الاسم، وكرامات الأولياء على التحقيق بدايات الأنبياء، وكان ذلك أول حال رسول
الله - عليه السلام - حين أقبل إلى جبل حراء حين كان يخلو فيه بربه ويتعبد، حتى
قالت العرب: إن محمدا عشق ربه، وهذه حالة يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها،
فمن لم يرزق الذوق، فيتيقنها بالتجربة والتسامع إن أكثر معهم الصحبة، حتى يفهم
ذلك بقرائن الأحوال يقينا، فمن جالسهم استفاد منهم هذا الإيمان، فهم القوم لا يشقى
جليسهم، ومن لم يرزق صحبتهم، فيعلم إمكان ذلك يقينا بشواهد البراهين على ما
ذكرناه في كتاب عجائب القلب من كتب إحياء علوم الدين، والتحقيق بالبرهان علم
وملابسة , عين تلك الحالة ذوق، والقبول من التسامع والتجربة بحسن الظن إيمان
فهذه ثلاث درجات: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: 11) ، ووراء هؤلاء قوم جهال، هم المنكرون لأصل ذلك، المتعجبون
من هذا الكلام، يستمعون ويسخرون، ويقولون: العجب إنهم كيف يهذون، وفيهم قال
الله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم
ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} (محمد:
16) . اه المراد من كلامه.
أقول: هذا ما رأينا أن نبين به كيفية نشأة هذا الإمام، وطلبه للعلم وتربيته
لنفسه، وإننا نحكي فيما يلي ذلك أثر هذا التعليم والتربية , وما استقر عليه رأي
الرجل في العلم والدين.
(لها بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم بألفاظ مختلفة.
(*) قال في الدرر المنتثرة: هو من كلام علي رضي الله عنه.
(2) سنتكلم عن هذا النور في موضع آخر بما يزيده تألقا.
(3) رواه الحاكم والبيهقي في الشعب، وابن مردويه من حديث ابن مسعود بلفظ آخر في أوله، وهو أنهم سألوه - صلى الله عليه وسلم - عند تلاوة الآية، كيف انشراح الصدر؟ فقال: (إذا دخل النور القلب انشرح له وانفسح) ، قالوا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ فقال: (الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور) ، وهو في الظاهر خلاف الآية فافهم.
(4) رواه أحمد والترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، وعلم له في الجامع الصغير بالصحة وتتمته: (فمن أصابه ذلك النور يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل) .
(5) رواه الطبراني عن ابن عباس بسند ضعيف.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">