تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التحريف والدخيل؛ إلا أن يقال: لغة الفرس كافة كانت قد تحولت عربية في ذلك

العهد، وصار العارف بالفارسية يتلقاها بالتعلم، وهذا ما ينكره كثير من العارفين

منهم صاحبنا الدكتور محمد مهدي خان فإنه يقول: إن لغة العامة هناك في القرن

الرابع والخامس كانت الفارسية.

وقد كان الغزالي يعرف الفارسية وألف فيها ولو كان فارسي الأصل وهو من

العامة، لكانت لغته الأصلية ومثله، لا يصير بليغا بالعربية إلا بعد اشتغال بالفنون

طويل، فبلاغته وفصاحته وسلامة عبارته من العجمة على كونه مع العامة، يرجح

كونه عربي الأصل، فهذا ما رأينا أن نبينه من سيرة حجة الإسلام في تلقي العلم

والعبرة فيها للطالبين.

تخرجه وتصديه للإفادة

قلنا: إنه اشتغل أولا بطوس وكانت مدينة آهلة بالعلم والعلماء في الجملة، وكان

يومئذ مراهقا، ثم في جرجان وكانت فوق طوس في العلم والعمران، ثم في

المدرسة النظامية بنيسابور أعظم معاهد العلم في خراسان، وما زال فيها يختلف إلى

دروس إمام الحرمين علامة ذلك العصر الزاهر، حتى تخرج به واشتهر، وقد قيل:

إن شيخه كان يجد منه شيئا في نفسه، وإن كان يفتخر به في الملأ كما سيأتي.

ولما توفي إمام الحرمين سنة 478، خرج الغزالي إلى العسكر وهي محلة بالقرب من

نيسابور، كان يقيم فيها نظام الملك الوزير؛ نصير العلم وكعبة العلماء، فحل من

مجلس الوزير محل القبول.

قال معاصره أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي خطيب نيسابور

في ذلك: محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي حجة الإسلام والمسلمين، إمام

أئمة الدين، لم تر العيون مثله لسانا وبيانا، ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا، أخذ

طرفا في صباه بطوس من الفقه على الإمام أحمد الراذكاني , ثم قدم نيسابور مختلفا

إلى درس إمام الحرمين في طائفة من الشبان من طوس، وجد واجتهد، حتى تخرج

في مدة قريبة وبز الأقران وحمل القرآن، وصار أنظر أهل زمانه، وأوحد أقرانه،

في أيام إمام الحرمين.

وكان الطلبة يستفيدون منه، ويدرس لهم ويرشدهم، ويجتهد في نفسه. وبلغ

الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف. وكان الإمام مع علو درجته وسمو عبارته

وسرعة جريه في النطق والكلام، لا يصغي نظره إلى الغزالي سرا؛ لإربائه عليه

في سرعة العبارة وقوة الطبع، ولا يطيب له تصديه للتصانيف، وإن كان متخرجا به

منتسبا إليه كما لا يخفى من طبع البشر. ولكنه يظهر التبجح به، والاعتداد بمكانه

ظاهرا خلاف ما يضمره.

(ثم بقي كذلك إلى انقضاء أيام الإمام، فخرج من نيسابور وصار إلى

العسكر , واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول، وأقبل عليه الصاحب؛ لعلو

درجته، وظهور اسمه، وحسن مناظرته، وجري عبارته، وكانت تلك الحضرة

محط رحال العلماء، ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقعت للغزالي اتفاقات حسنة من

الاحتكاك بالأئمة وملاقاة الخصوم اللد، ومناظرة الفحول، ومناقدة الكبار، وظهر

اسمه في الآفاق، وارتفق لذلك أكمل الارتفاق حتى أدت الحال به إلى أن رسم

للمصير إلى بغداد؛ للقيام بتدريس المدرسة الميمونة النظامية بها، فصار إليها،

وأعجب الكل تدريسه ومناظرته، وما لقي مثل نفسه، وصار بعد إمامة خراسان إمام

العراق.

ثم نظر في علم الأصول، وكان قد أحكمها فصنف فيه تصانيف، وجدد

المذهب في الفقه فصنف فيه تصانيف، وسبك الخلاف فجدد فيه أيضا تصانيف،

وعلت حشمته ودرجته في بغداد، حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والأمراء ودار

الخلافة، فانقلب الأمر من وجه إلى آخر) اه.

المراد من كلام عبد الغافر هنا؛ ومنه تعلم أن رياسة العلوم الظاهرة، قد

انتهت إليه في سن الشباب , حتى كان يوصف بحجة الإسلام وإمام أئمة العصر،

وهو لم يشتغل بالتلقي عن العلماء إلا بضع سنين.

أقول: إنه تخرج في بضع سنين، أخذا مما مر من أنه لم يطلب العلم من أول

سن التمييز، بل بعد عجز الوصي عليه وعلى أخيه من النفقة عليهما، ومن قوله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٠٨