ببغداد سنة عشر وسبعمائة، وقال لي: أخطأ الناس في تثقيل جدنا، وإنما هو
مخفف. وقال الشهاب الخفاجي في آخر شرح الشفاء: ويقال: إنه منسوب إلى غزالة
ابنة كعب الأحبار , وهذا إن صح فلا محيد عنه. والمعتمد الآن عند المتأخرين
من أئمة التاريخ والأنساب , أن القول قول ابن الأثير أنه بالتشديد) .
ولد أبو حامد في مدينة طوس من عمل خراسان سنة 450 قال ابن السبكي في
طبقات الشافعية الكبرى: وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، فلما
حضرته الوفاة وصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير، وقال
له: إن لي لتأسفا عظيما على تعلم الخط وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدي هذين
فعلمهما ولا عليك أن تنفد في ذلك جميع ما أخلفه لهما.
فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلى أن فني ذلك النزر اليسير الذي خلفه
لهما أبوهما، وتعذر على الصوفي القيام بقوتها، فقال لهما: اعلما أني قد أنفقت
عليكما ما كان لكما، وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي، فأواسيكما به،
وأصلح ما أرى لكما أن تلجئا إلى مدرسة، فإنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت
يعينكما على وقتكما. ففعلا ذلك، وكان هو السبب في سعادتهما وعلو درجتهما , وكان
الغزالي يحكي ذلك ويقول: (طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله) اه.
فأنت ترى أن الغزالي نشأ فقيرا، وكذلك أكثر النابغين في الأمم والعصور
التي لا إلزام فيها بالتعليم والتربية، يخرجون من بيوت الفقراء، أو من هم على
مقربة منهم. والأغنياء يشغلهم الترف والنعيم عن الجد والاجتهاد في العلم، لا سيما
في تلك الأزمنة التي كان فيها طلب العلم لا يتم إلا بالرحلة إلى العلماء المشهورين،
كما ترى فيما يلي، وناهيك بما كان في طي المسافات من المشاق.
طلب الغزالي للعلم
قرأ في صباه طرفا من فقه الشافعية على أحمد بن محمد الراذكاني في بلده
(طوس) ثم سافر إلى الإمام أبي نصر الإسماعيلي في جرجان، وعلق عنه كتاب
التعليقة وعاد إلى طوس. قال الإمام أسعد الميهني: فسمعته يقول: قطعت علينا
الطريق، وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا، فتبعتهم فالتفت إلي مقدمهم، وقال:
ارجع ويحك وإلا هلكت، فقلت له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه، أن ترد
علي تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به. فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت
: كتب في تلك المخلاة، هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها. فضحك وقال:
كيف تدعي أنك عرفت علمها , وقد أخذناها منك، فتجردت من معرفتها، وبقيت
بلا علم؟ ؟
ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلي المخلاة، قال الغزالي: هذا مستنطق أنطقه الله
ليرشدني به في أمري، فلما وافيت طوس، أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى
حفظت جميع ما علقته , وصرت بحيث لو قطع على الطريق، لم أتجرد من علمي.
قال التاج السبكي: وقد روى هذه الحكاية عن الغزالي أيضا الوزير نظام الملك.
أقول: - وفيها من العبرة لمثل طلاب الأزهر- أن هذا الإمام العظيم ما وصل
إلى ما وصل إليه إلا بعد أن جعل قصده في طلب العلم أن يكون العلم صفة من
صفاته، لا أن يفهم ما يأخذه عن العلماء إذا هو قرأه فقط، فينبغي لكل طالب علم
أن يتلقى العلم؛ لأجل أن يكون له فيه حكم ورأي، ولا يكتفي بأن يكون راويا
لأقوال العلماء ولو مع الفهم؛ لأن من يفهم علم غيره، لا يعد هو عالما إلا إذا هو
أشرب العلم، وصل له فيه فهم خاص، يقدر على الاستدلال عليه، ودفع معارضة
المخالفين عنه، وصار بحيث لو رجع عنه من نقل عنه لا يرجع هو.
قال السبكي: ثم إن الغزالي قدم نيسابور ولازم إمام الحرمين، وجد واجتهد
حتى برع على يديه في مذهب الشافعي، والخلاف والجدل والأصلين والمنطق ,
وقرأ الحكمة والفلسفة، وأحكم كل ذلك، وفهم كلام أرباب هذه العلوم وتصدى للرد
عليهم وإبطال دعاويهم، وصنف في كل فن من هذه العلوم كتبا أحسن تأليفها،