تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ارتقاء الشرائع بارتقاء أهلها، وزعمه أنها - أي: الشريعة الإسلامية - ما جاءت

راقية إلا لارتقاء أهلها، وقلنا: إن هذه القاعدة إنما تصح في الشرائع؛ أي:

القوانين الوضعية التي يكون ارتقاؤها تابعا لارتقاء واضعيها.

والشريعة الإسلامية وضع إلهي أنزلت على قوم غير مرتقين، فكان ارتقاؤهم

بها، ولم يكن ارتقاؤها بهم. فأجاب فريد أفندي عن هذا الانتقاد بكلم يتلخص منه

أجوبة:

(أحدها) أن ما أورده هو من مقررات فلسفة التشريع، ذلك العلم الذي أفنى المشرعون قواهم وأعمارهم في وضعه.

(ثانيها) قوله: (فبأي سلطان يستطيع الشيخ رشيد الذي لم يقرأ في العلم

سطرا واحدا، أن يرد هذه المقررات البديهية؟ وهل لو قال يسمع له أحد) ؟

(كذا) .

(ثالثها) قوله: (فأقول له: إن كلامي كله موجه إلى أن الشريعة الإسلامية وحي من الله، لا أنها شريعة وضعية تابعة لأهواء الناس، حتى يتوهم

الشيخ رشيد أنه يغالطني فيما قلته) .

أقول: إن هذا الكلام يشبه أضغاث الأحلام، كما هي العادة في أكثر كلامه،

وهو مؤذن بأنه لم يفهم ما كتب، ولا ما انتقد به عليه. نحن نقول: إن ارتقاء

الشرائع لا يكون نتيجة لارتقاء أهلها إلا في القوانين الوضعية. فيقول: إنك خالفت

مقررات فلسفة التشريع، وإنك لم تقرأ منها سطرا وما هذا بمخالفة لها، وقد قرأت

فيها كتبا، ونقول: إن الشريعة الإسلامية ليست تلك القوانين؛ لأنها إلهية. فيقول:

إن كلامي موجه إلى أنها إلهية! ! !

ويقول: بأي سلطان يستطيع الشيخ رشيد أن يرد مقررات أهل الفلسفة؟

وأجيبه بأنني أردها بسلطان الإسلام إذا هي خالفته، ولو صح قوله: إنني لم أقرأ

منها سطرا، فحسبي أنني قرأت حكمة التشريع الإسلامي التي لم يقرأ هو منها

سطرا؛ ولذلك يجهل البديهيات فيها؛ ككون الشريعة هي التي رقت الأمة الإسلامية

دون العكس.

الانتقاد التاسع

قال فريد أفندي في درسه، بعد أن قرر أن ارتقاء الشريعة تابع لما عليه أهلها

من الارتقاء في الأخلاق: من هنا يرى الرائي أن كل انقلاب حدث في أخلاق أمة،

قد أدى بطبعه إلى انقلاب في شريعتها، ويدرك تبعا لهذا فساد الأحكام وبعدها أن

العدالة في بعض الأمم المتدينة التي تقرر مبدأ التمايز في أفراد الجمعية، فتهب

لبعضهم حقوقا، تسلبها عن الآخرين باعتبارات دينية.

فسألناه عما يعني ببعض الأمم المتدينة؛ اليهود وليس لهم حكومة. أم

النصارى وقد بالغ في وصف ارتقاء شرائعهم وفتن بها، حتى ليظن أنهم إذا قالوا

قولا يخالف الإسلام لا يمكن رده، وإنما يجيب عنه بتأويل ما جاء في الإسلام أو

بإنكاره أو التشكيك فيه. أم يعني بعض الوثنيين؟ سألناه؛ لأن الشبهة قائمة على

أنه يريد بذلك المسلمين، ولا غرو فقد جعل منهم الشارعين. فأجاب عن هذا

السؤال بما نصه:

(يكفيني أن أتعجب من هذه الردود، وأترفع عن الرد عليها؛ ذلك أولى لي

وأولى بالقارئ) (كذا) .

الانتقاد العاشر

سألته بناء على ما تقدم: ماذا يقول في جعل الخلافة في قريش؟ فأجاب عن

هذا بعد القول بأنني أثرت بهذا السؤال وما بعده مما يأتي شبها على الإسلام، ما

كان يتخيل صدورها من مسلم، بأجوبة:

(أحدها) أن الخلافة بيد المؤمنين يولون عليهم بالإجماع من شاؤوا، ولو كان عبدا حبشيا.

(ثانيها) لو كانت الخلافة مقصورة على القرشيين؛ لأتى في ذلك نص

قرآني أو حديث متواتر، ولما اختلف المهاجرون والأنصار عليها.

(ثالثها) أن خليفتنا الحالي تركي الأصل، طاعته مفروضة علينا، ولا

يحاول نقض هذا الأصل إلا من يريد أن تتفكك جامعة المسلمين، وتنقصم عروتهم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أما الأول: ففيه جهالات: منها اشتراطه الإجماع، ومنها قوله من شاؤوا مطلقا

مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأمر في قريش، كما ثبت في

الأحاديث الصحيحة، وجرى عليه المسلمون في خير القرون، حتى بعد أن صار

الحكم استبداديا إلى انقراض الدولة العباسية، ونقل بعض أئمة الأصول والحديث

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٩٩