يكونوا غذاء له، ومادة تمده في نمائه وبقائه.
مثل المقلد مع المقلد: كمثل الطفل مع الرجل، يحسب الطفل أن كل ما يفعله
الرجل مفيد له، إذا هو حاكاه فيه ساواه في فائدته منه، فإذا رآه يدخن حاول
التدخين مثله ما لم يمنعه مانع، وربما كان في التدخين هلاكه؛ إذ لا يحتمل بدنه من
سم الدخان ما يحتمله بدن الكبير المعتاد عليه، وما كل ما يفعله الرجل نافعا له، وما
كل نافع له ينفع الطفل والدارج، ولا اليافع والشارخ، وقد تكون وسيلة المنفعة
الواحدة للرجل غير وسيلتها هي للطفل، فالتغذية منفعة ووسيلتها للطفل اللبن.
وللدارج الطعام اللطيف، وأما الرجل الأيد فإنه يستفيد من الطعام الكثيف من الغذاء
ما ربما يكون ممرضا لمن دونه.
هكذا شأن الأمم الجاهلة الضعيفة مع الأمم العالمة القوية، تظن الأولى أن كل
ما تفعله الثانية مفيد لها فتحاول تقليدها فيه، غير شاعرة بأنها تقلد على غير بصيرة
تامة، ولا اكتناه للمقاصد البعيدة - وإنما الأمور بمقاصدها -، فتقع في الخسران
المبين من حيث ترجو الفلاح العظيم، كما نقلدهم الآن في الأزياء، والعادات التي
تزيد في ثروتهم، وتذهب بثروتنا. والآداب التي ترسخ بها جنسيتهم من حيث
تضعضع جنسيتنا، وأهم هذه العادات ما أدى إلى تركنا للدين، وإرخاء عنان التفرنج
للنساء في التهتك والخلاعة.
تدخل المرأة النصرانية المتمثل ولا شعور عندها، بأنها قد أحدثت في جنسيتها
حدثا، أو جاءت في دينها أمر فريا. وأما المسلمة فإنها تشعر إذا فعلت ذلك، بأنها قد
انسلخت من قديم مرغوب عنه، ودخلت في جديد مرغوب فيه، ويسري هذا الشعور
منها وممن تربى مثل تربيتها إلى سائر نساء قومها، ورجالهم الذين يألفون عملها،
ويقرونه.
أنقلدهم بهذا؟ ولا نقلدهم في تربية النساء الدينية، التي نرى أقوى شعوبهم،
وأعزها، وأعلمها كالجرمانيين، والسكسونيين، هم أشد عناية بها ممن دونهم، بلغ
من رسوخ الشعور الديني عند نسائهم: أن المرأة التي يقذفها الفقر في مهواة البغاء،
تعلق صورة المسيح أو أمه في بيتها؛ لإحياء ذكرى الدين في قلبها، فإذا همت بالمنكر
فيه، حولت وجه الصورة إلى جهة الجدار استحياء وأدبا.
إذا صح أن هذا التياترو يفيد مسلمي روسيا في آدابهم وأخلاقهم، مثل ما يزعم
الإفرنج أنهم يستفيدون منه؛ فما هذه الفائدة المدعاة إلا من الأمور التي تسمى
تحسينية أو كمالية؛ أي: مما يطلب وراء الضروريات والحاجات التي لم يستكملوا
شيئا منها. وقد دعاني إلى رؤية هذا التمثيل العربي بمصر بعض الفضلاء أول مقدمي
إليها، وبعد رؤيته سئلت عن فائدته. فقلت: إنني لم أر له فائدة وراء التسلية إلا
تمرين أسماع من يحضره من العوام على كلام عربي، هو وسط بين كلامهم وبين
العربية الفصحى. ثم رأيت أن بعض القصص لا تخلو من فائدة وعبرة.
أقول هذا وأنا أعلم أن المقلدين، يضيع عندهم البرهان إن خوطبوا به، فكيف
ولا سبيل إلى مخاطبتهم بما يفهمون. وقد كان يكون هذا مفيدا، لو كان للمسلمين
زعماء عقلاء يدبرون أمرهم، ويديرون بالرأي والروية مصالحهم، ولكنهم أضحوا
فوضى، لا سراة لهم إلا أننا نرجو الخير من بعض العلماء وأصحاب الصحف.
فنسأل الله أن يوفقهم لخير الإرشاد، وينفع بهم العباد.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">