ينتهي إلى غاية التعليم، رجع إليه بشيء نافع، ونمت الأخلاق الصالحة، والأفكار
الحسنة، وانطبع قلبه على الخير والسلامة، وكانت له بصيرة في وجوه المعاملة مع
من يشترك معهم في المصلحة، ونبت في قلبه احترام النظام الذي يضبط مصلحته،
ومصلحة بني وطنه، ونشأ على محبة العمل والرغبة فيه، فلا يكون إلى فؤاده
سبيل للوساوس، ولا منفذ للدسائس.
المدارس التجهيزية والمدارس العالية
لا أتكلم في بروغرامات دروس الفنون التي تقرأ فيها؛ لأن النظر في ذلك
يتعلق بالغرض الذي جعلته الحكومة غاية لإقامة تلك المدارس، وإنما كلامي فيها
منحصر فيما يتعلق بالتربية وتهذيب الفكر، وغرس مبدأ الصلاح في نفوس التلامذة
ليحسنوا في استعمال ما تعلموا.
قلنا فيما سبق: إن التربية مفقودة في تلك المدارس، لا يخطر ببال أحد أن
يعتني بها عناية حقيقية، وإنما الموجود فيها صور ورسوم تغر الناظر فيها، وهي
بمعزل عن الحقيقة، فالذي يجب لتأسيس التربية فيها؛ تعليم العقائد الدينية على
الأصل الصحيح، تعليم الآداب الدينية على الطريق الصالحة، إلزام التلامذة
في تصرفهم بموافقة ما تعلموا، كل ذلك على نمط أرقى مما كان في المكاتب
الابتدائية. تعليمهم الإجادة في الكتابة كل في فنه الذي يريد الوصول إلى غاية
التعليم فيه تعليمهم أصول النظام العام، ثم زيادة التوسع لكل فيما يتعلق بفنه من
النظام، فالقانونيون يتوسع لهم في أصول النظام المتعلق بالقضاء والإدارة، وهو
شيء غير نفس القانون. والمهندسون في أصول النظام المتعلق بالري وتدبير النيل،
وهو شيء غير الهندسة وعلى هذا القياس.
والمربي في كل ذلك يودع في أفكارهم أن القيام بهذه الأعمال مما يطالب به
الدين، وأن فوائدها ليست قاصرة على خدمة الحكومة، بل هي من لوازم الحياة
الطيبة، ويورد الأدلة على ذلك وهي كثيرة لا تعد، حتى إذا بلغ التلميذ نهاية التعليم،
أمكنت الثقة به، واؤتمن على عمل يفوض إليه، وكانت الأنفس مطمئنة من جهته؛
لعلمه أن للنظام علاقة بحياته الروحانية، كما له علاقة بحياته الجسدانية، فإن لم
يكن له نصيب في خدمة الحكومة وجد سبيلا آخر للعمل، وهو في رضى عن
النظام المحيط بأعمال وطنه، فيكون بذلك عضوا صالحا، ويقوم بينه وبين
الدسائس حجاب منيع من الاستقامة الفكرية والخلقية، حتى لو أن التلميذ بعد ذلك
حمله الشطط في الفكر على خلع العقيدة الدينية، بقيت فيه ملكات الأخلاق الفاضلة
طبيعة ثابتة، لا تتبدل بتبدل العقيدة.
المعلمون والمربون ومدرسة دار العلوم
وجود مثل هؤلاء المعلمين عسير، كما يقوله كثير ممن له تعب في البلاد،
ولم يتفكر في حالتها، ولم يدقق البحث في مصلحتها، أما أنا فلا أرى في ذلك
صعوبة بقدر ما يتصورونها، كما أن كثيرا مثلي لا يرون ذلك.
أما أولا: فلأن بلادا واسعة مثل مصر، لا تعدم أفرادا متفرقين في أنحائها،
يعرفون من الدين حقيقته، وللزمان ما يلزم له، وإنما يجمعهم البحث والتنقيب،
وكما ساح ناظر المدرسة الزراعية؛ ليختبر الأرض، ويعرف الطرق المسلوكة في
البلاد لخدمتها واستنباتها، كذلك يجب أن يسيح مدير التربية في الأطراف؛ ليعرف
الصالحين لتوليها. على أن المعروف منهم ليس دون الكفاية للابتداء في العمل، فإن
لم يكن الموجود بالغا الغاية في المقصود، فلا أقل من أن يكون قريبا منها. وأما
ثانيا: فلأنه يمكن تكوين جماعة كثيرة ممن يحتاج إليهم في الغرض بطريقة هي
مرسومة الآن، ولكن لم يطبق العمل منها على الرسم الحقيقي، على أن في الرسم
نقصا يجب تتميمه، وتلك الطريقة قد رسمت في المدرسة المسماة بدار العلوم.
دار العلوم مدرسة ابتدعها سعادة علي باشا مبارك من نحو خمس عشرة سنة،
وشرط أن يكون تلامذتها من طلبة الأزهر، وأن يكونوا حصلوا من العلوم المقررة
فيه مبلغا يكاد يؤهلهم للتدريس، ثم جعل في دروس تلك المدرسة دروسا لجميع ما