أي: ولا يحملنكم بغض قوم واحتقارهم على ترك العدل فيهم، بل اعدلوا فالعدل
أقرب للتقوى ﴿واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (المائدة: 8) أي: عالم
ومطلع على دقائقه وخفاياه.
لقد كان ينبغي "لمسيو جوفنيل" أن يعلم أن مسلمي سورية الشمالية غير راضين
عن أعمال الإنكليز في سورية الجنوبية (فلسطين وشرق الأردن) ولا غافلين عن
خطرهم على العراق، وأنهم فوق ذلك غير آمنين منهم على الحجاز وسائر جزيرة
العرب، وأن يعلم أن جمهورية أنقرة التركية، صارت أبعد من جمهورية فرنسة
عن الأمة العربية؛ لطمعها في أهم بقاع العراق وسورية، مع قطعها لرحم الأخوة
الإسلامية. فهذه فرصة سانحة لفرنسة إذا أرادت أن تتودد إلى العرب والمسلمين
بما يناسب الطور الجديد الذي دخل فيه الشرق توددا صحيحا لا كيد فيه ولا خداع،
لا كإظهار التودد أخيرا لملك الحجاز وسلطان نجد، ولا كإظهار التودد قبله للخلافة
التركية، وأعني بهذا التودد أن تسبق إلى عقد اتفاق مع سورية جارة الحجاز ونجد،
وأول قطر فتحه الصحابة، ومهد الحضارة لأول سلطنة (إمبراطورية) عربية
إسلامية، على قاعدة الاستقلال المطلق والتعاون المتبادل.
ألا فليتذكر (موسيو جوفنيل) أن الشرق قد استيقظ، وأن صداقة ثلاثمائة مليون
ونيف فيه أنفع لفرنسة من صداقة ثلاثمائة ألف كاثوليكي في لبنان، وأن العدوان
على ثلاثة ملايين من المسلمين في سورية، وسلب استقلالهم، وتخريب ديارهم
يسوء ثلاثين مليونا من المسلمين الخاضعين لفرنسة وهم يدينون دين الإسلام
ويتكلمون كالسوريين بلغة القرآن، كما يسوء ثلاثمائة مليون مسلم في سائر أقطار
الشرق. وإذا كان لم يعرف هذا فلا يصعب عليه أن يبحث عما كتبت الجرائد
الهندية في كارثة سورية.
إن سياسة إثارة العصبية والعداء بين المسلمين والنصارى في سورية كانت
معقولة ولم تعد اليوم معقولة، فإذا تركتها فرنسة رضي نصارى سورية ولبنان
بحقهم حينئذ أن يزيدوهم على حقهم والمسلمون لا يأبون عليهم، وأما العداوة فلا
خير فيها لهم ولا لفرنسة، وحسبها خسارة ستة مليارات أو أكثر في سورية وخسارة
صيت فرنسة الأدبي والمدني.
كتبت جل هذا المقال منذ عدة أشهر، وها أنا ذا أختمه، ولم يبد من الرجل ما
يدل على اهتدائه إلى حل عقدة سورية، فكيف يرجى منه أن يبتكر لفرنسة سياسة
جديدة تحيي بها مجدها، وتسابق الشعوب التي كانت وراءها فصارت أمامها؟
ولو فقه (مسيو جوفنيل) هذه الحالة، وانتهز هذه الفرصة، لأمكنه أن يقنع
وزارتي المستعمرات والخارجية في باريس أنه لا يزال في الإمكان السير في
سورية على سياسة جديدة تصلح بها ما أفسده من قبله من المفوضين والمندوبين
العسكريين، وتكون لفرنسة بها المنزلة العليا لدى الأمة العربية وجميع شعوب
المسلمين، فقد زالت زعامة المسلمين من الترك، وعادت إلى أهلها العرب،
وستدخل في طور نظامي جديد تكون به قوة كبيرة لمن يصادقها، وبلاء عظيما
على من يناوئها، وإذا لترك التهديد والوعيد، والاتكال على النار والحديد، وسلك
هذا المنهج الجديد قبل أن يسبق دولته إلى هذه السياسة تلك الدولة التي مازالت
تسبقها في كل ميدان، من قبل ظهور نابليون الكبير إلى الآن.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: سعد زغلول
-----------------
<span class="footnote">