الأنبياء عليهم السلام كما تقدم.
وأما مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، أي رؤية روحه
الشريفة القدسية، متشكلة بصورته الكاملة الجسدية - فقد اختلف العلماء فيها، فنفاها
قوم، وأثبتها آخرون ممن يدعونها أو يصدقون من ادعوها من الصوفية، ومن
الثقات من قال بإمكان حصولها في حال بين النوم واليقظة، ونظم بعضهم هذا
الرأي بقوله:
ومن يدعي في هذه الدار أنه ... يرى المصطفى حقا فقد فاه مشتطا
ولكن بين النوم واليقظة الذي ... يحاول هذا الأمر مرتبة وسطى
ويجد القارئ هذا البحث في المواهب اللدنية وشرحها، وفي الإبريز، وفي
بحث الكرامات من طبقات الشافعية الكبرى للسبكي وغيرها، وقد كنت قرأت هذا
وغيره وكتبت في المسألة بحثا طويلا في كتاب (الحكمة الشرعية في المحاكمة
بين القادرية والرفاعية) الذي ألفته في أثناء طلبي للعلم بطرابلس الشام.
ويعلل النفاة لرؤية اليقظة ما روي عن بعض كبار الصوفية من ادعائها،
ومنهم الأتقياء العدول، والعلماء الفحول، الذين يجلون عن تهمة الكذب والافتراء؛
يعللون ذلك بأنهم هؤلاء لم يفتروا تلك الدعوى افتراء، وإنما كان ما يرونه نوعا
من المثال، يتجلى عند استغراق الفكر في الخيال، على حد قول الشاعر:
يمثلك الشوق الشديد لناظري ... فأطرق إجلالا كأنك حاضر
ولكن كبار الصوفية على إثباتهم للرؤية الخيالية يقولون أن لهم رؤية أخرى
هي جمعية روحية تكون في حال التجرد من الجسم المادي الكثيف، والانسلاخ من
سلطان الحس، فهي مشاهدة الروح للروح في شكل الجسد، ولا تتوقف على فتح
العينين ولا على وجود النور، بل هي تكون مع عدمهما أكثر، ومن الفرق بينهما
وبين الرؤية الخيالية، أن الذي يتمثل في الخيال هو ما نقش في مركز التصور لما
كان شاهده هذا الرائي أو تخيله، فهو يختلف باختلاف الأشخاص كالأحلام،
والرؤية الروحية ليست كذلك، وآية صحتها أنها لا تتضمن أخذ شيء عنه ينافي
القرآن أو غيره من أصول الشريعة أو فروعها القطعية.
وقد ذكر صاحب الإبريز عن شيخه الدباغ من أمثلة الرؤية الخيالية جزارا في
مدينة فاس مات ولده؛ فوجد عليه وجدا عظيما، فتمثل له وهو يمشي مع الجزارين
في السحر يقصدون المذبح، وصار يتكلم معه، حتى نبهه أحد رفاقه سائلا إياه عما
سمع منه؟ فأخبره أن ولده كان يمشي بجانبه ويكلمه.
وأعرف امرأة بلهاء في بلدنا كانت دائما تخاطب الموتى ممن لهم شأن كبير
عندها كأخ لها مات شابا ومن غيرهم، وهذا نوع مما ينقل في هذا العصر عن
الروحيين في بلاد الإفرنج كلها.
وربما أعود إلى التوسع في هذه المسألة وما يتعلق بها مما يسمى اليوم
باستحضار الأرواح.
وجملة القول أن رؤية الأرواح على القول بصحتها إنما تقع في حالة غيبة
عن الحس والإدراك العقلي، ومتى عاد صاحبها إلى الحالة الطبيعية يكون
كالمستيقظ من النوم، فلا يوثق بضبطه لكل ما رآه، وهي لا يثبت بها حكم شرعي،
ويجب القطع ببطلان كل ما ينقل في هذه الحالة عن روح النبي صلى الله عليه
وسلم أو غيره من الأنبياء والمتقين مخالفا لما ثبت شرعا أو وجودا بدليل قطعي والسلام.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: أحمد بن تيمية
-----------------
<span class="footnote">