وأنفسها تتعاون بهم، وتكون أنصارا لهم، وإن نبذوه وراءهم وهجروه، فالأمة
تنبذهم وتهجرهم.
وما كتبتم في الكماليين من إلغائهم منصب الخلافة الإسلامية، وجعلها عبارة
عن رياسة روحية بابوية، فنحن مسلمو الهند لسنا على علم بصدقه كما هو يروى
ويقال (!) ومسلمو الهند - بل ومسلمو العالم - لا يرضون أبدا بجعل منصب
الخلافة منصبا روحيا محضا كمنصب البابا.
ومن ذا الذي يعلم الكتاب ويعرف أصول الشريعة يرضى به ويستحسنه؟
ولا نخال كيف يمكن لمصطفى كمال باشا وحزبه أن يرتكبوا هذا الخطأ الكبير دينا
وسياسة، وهو يضرهم كما لا يضر غيرهم أحدا، فإن هذا الإلغاء يذهب بشرف
الدولة التركية بين الدول الإسلامية، وبمكانتها العليا في نفوس المسلمين قاطبة،
هل أرادت الأمة التركية أن تضع حمل الخلافة عن كواهلها فإنه ثقيل عليها؟ هذا
أمر لم أظنه بالأتراك، ولم أجد مؤمنا به في الهند أحدا (!) وأما ما ذكرتم من
إطماع المسلمين مصطفى كمال باشا صانه الله تعالى وحزبه، بأنهم يوافقونهم على
كل ما يفعلون، وإن كان مخالفا للمصلحة ونصوص الدين، فليس بشيء، فإن
المسلمين لا يتعاونون بهم على ما يخالف الشرع ونصوص الدين أبدا؛ لأن روحهم
الدينية تنفر عن مثل هذا التعاون، قال الله عز وجل {وتعاونوا على البر
والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (المائدة: 2) .
وكنت كتبت وفقا لما وعدتكم قبل ذلك مقالة في مسألة الجامعة للمسلمين
وطريق الوصول إليها، والأخذ بها، وكنت هممت بإرسالها إليكم إذ ألقي إلي كتابكم
قبل الأمس، ووجدت فيه ذكر الجزء التاسع للمنار في البريد الآتي فيه إشارات إلى
شيء من المشروع الذي أوردتم ذكره في الكتاب، فأحببت أن أرسل مقالتي
المذكورة بعد مطالعة (المنار) والوقوف على رأيكم في هذا الشأن.
وأما ما سألتموني عن رأيي في الطريق الذي يمكن أن تتعاون به مع جمهور
مسلمي الهند على تنفيذ المشروع الجليل، وكيف السبيل إلى إطلاعهم على تفصيله
المبهم. فإني أنا بنفسي أظهر لكم ما أرى بعد مطالعة المشروع. وأما طرحه على
جمهور المسلمين، واستحصال تعاونهم عليه وسبيل إطلاعهم على تفصيله، فإن كان
المشروع محتويا على الظواهر ليس لها خفايا، فالسبيل إليه بنشره في الجرائد الهندية
بعد ترجمته بالأردوية؛ حتى يراه ويطالعه زعماء المسلمين وخواصهم، ثم بعد
ذلك يسأل عنه، وماذا يرون فيه؟ فإن وقع عندهم موقعا حسنا فيسهل إلى أن يتم
العمل، ففي هذا السبيل إن شئتم وآذنتموني فأترجم مشروعكم الجليل بالأردوية
فأرسله إلى الجرائد، ونسأل عنه رأي من هو أهل الرأي من المسلمين في الهند،
وأيضا إني لقادر على أن أترجمه بالفارسية، وأرسله إلى جرائد أفغانستان، وإن كان
المشروع لم يفده مثل هذه الأعمال، فبينوا لي ما هو يفيده وأي سبيل عندكم إلى
تنفيذه؟ وما ترون طريق عمله وكيف تقصدونه.
وأما استئذانكم بنشر ما كتبت وأكتب في هذا الشأن فما كان لازما، الأمر
إليكم والخيار لكم، فانشروا منه ما شئتم، وبأني رجل من الهند لست بعربي ولا
صحبت عربيا، فأرجو أن تسودوا وتصلحوا ما وقع في العبارات من زيغ وفساد
فتقبلوا مني أحسن التحية.
أنا العاجز أبو الحسنات الندوي أحد رفقاء دار المصنفين.
... ... ... ... ... ... شبلي نزل ... أعظمكده (الهند)
(المنار)
رحمه الله وأثابه فقد كان من خيار المصلحين، وقد توفاه الله تعالى قبل أن
نتمكن من إجابته إلى كل ما سأل.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">