الوهابية في زيهم وكلامهم، حتى صرح له والده بأنه كان يفضل قتله على نجاته
بهذه الصورة المزرية، ولم يكتفوا بخزي هذه الكسرة الشائنة، فتحرشوا بالنجديين
بعد ذلك مرارا، ومنعهم الملك حسين من أداء فريضة الحج، وضيق على تجارتهم
حتى منعها من الحجاز، وأسرف في الكيد والدسائس لسلطانهم، والسعي لإعادة
إمارة ابن الرشيد في نجد، وإمارة آل عايض في (عسير) وضمهما إلى الحجاز،
بل وضع بناء سياسته في جزيرة العرب على أساس تقسيم السلطنة النجدية والبلاد
اليمنية إلى عدة إمارات، تابعة لملك واحد (أي له) في السياسة والعسكرية،
والشؤون العامة، وبالغ هو وأولاده في احتقار السلطان عبد العزيز بن السعود،
حتى إن أضعفهم أجير الإنكليز في مديرية شرق الأردن، لا يعبر عنه إلا بشيخ
عشائر نجد، دع طعنهم في دينه ودين قومه على حد تعيير مادر لحاتم الطائي
بالبخل،.
وقد عاملهم هو بالحلم الواسع فلم يزدهم حلمه إلا بغيا وغرورا، حتى إذا
قامت عليه الحجة بوجوب إنقاذ الحجاز من ظلم حسين وإلحاده في الحرم على ما
أفتينا به، بناء على الأخبار التي تواترت برواية الكثير من الحجازيين والآفاقيين
من الحجاج وغيرهم، وقرر ذلك مؤتمر الشورى الذي عقد في الرياض عاصمة
نجد - أمر بالزحف على الطائف الني هي أمنع معاقل الحجاز، ومركز أكبر
قوته العسكرية، فزحف الإخوان من متدينة الحجاز ونجد، فأخذوا الطائف عنوة،
ثم ما وراءه من المعاقل الحصينة، وأعظمها (الهدى وكرى) وفر الشريف
علي القائد العام وولي عهد الحسين، كما فر أخوه قبله من بأس الإخوان،
واستأذن قائد الجيش - وهو الشريف خالد بن لؤي أحد شرفاء مكة - من السلطان
بالزحف بمن معه على مكة المكرمة وغيرها، ولو أذن لهم لاستولوا على كنوز الملك
حسين وذخائره كلها، وانتهى أمر الحجاز كله في شهر أو شهرين.
ولكن هذا السلطان العاقل الحليم الصبور أمر بوقف الزحف حتى يحضر
بنفسه، إذ بلغه أنه قد وقع من الإخوان في الطائف شذوذ مخالف للشرع؛ بقتل
بعض الأهالي غير المقاتلين وسلب بعض الأموال، فخاف أن يقع مثل ذلك في
أرض الحرم، ولأنه لا يستحل القتال في الحرم على ما فيه من الخلاف كما بيناه
في الفتوى المشار إليها آنفا، فأمر بانتظاره حتى يحضر هو بنفسه، وكان يمكن
الزحف على جدة، أو قطع الطريق على الملك حسين بينها وبين مكة
المكرمة، ولكنه لم يأذن بذلك أيضا، وقد شرحنا ذلك من قبل.
ثم إنه - أي السلطان - جاء بنفسه وأمهل الملك حسينا حتى فر بأمواله
وذخائره إلى جدة، فاستولى على مكة سلما، ودخلها هو ومن معه محرمين بالعمرة،
ثم أفرط في التأني والتريث حتى كان ما كان من تحصين الشريف علي لجدة،
ووضع حامية في حصون المدينة المنورة، وكان قد تألف فيها حزب وطني نصبه
ملكا دستوريا على الحجاز بإذن والده، وقد اختار السلطان عبد العزيز حصار جدة
على مناجزتها خلافا لأكثر أنصاره وأوليائه من النجديين وغيرهم، وصابرها أكثر
من سنة حتى سقطت من تلقاء نفسها، وكان قد حاصر حامية المدينة المنورة أيضا،
فاستسلمت قبل استسلام جدة بأيام كما علمه الخاص والعام، فكانت العاقبة حسنة
على ما كان في الوسائل من الأغلاط، وتم (لشيخ عشائر نجد) الاستيلاء على
جميع الحجاز مع عسير، وصار ملكه ممتدا من البحر الأحمر إلى خليج فارس،
ولم يزده هذا كله إلا خشية لله تعالى وتواضعا للناس، وتنزها عن الدعوى والتنفج
والتبجح الذي عهدناه من غيره.
***
(2)
الشريف حسين وأولاده
وأما حسين بن علي شريف مكة وأميرها فملكها، فمدعي ملك العرب،
فمنتحل الخلافة الإسلامية - فقد فتن هو وأولاده بحب المجد الكاذب،والملك الصوري
في ظل الأجانب. فأجمعوا أمرهم على جعل البلاد العربية تابعة للدولة البريطانية؛
ليكونوا خلفاء وملوكا في ظلها، لعلمهم بأنهم من حيث هم هم كالهباء أو كالعدم لا