الإقرار به جملة، وتفصيلا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يقر
بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن
محمدا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله.
فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة، إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذبه، وقد قال الله
تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه
الوتين} (الحاقة: 44-46) .
وفي الجملة فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام لا يحتاج إلى تقريره هنا،
وهو الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما جاء به من القرآن
والسنة كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم
يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} (آل عمران: 164) وقال
تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب
والحكمة} (البقرة: 151) وقال تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل
عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} (البقرة: 231) وقال تعالى: {وما
أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} (النساء: 64) وقال تعالى: {فلا
وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما
قضيت ويسلموا تسليما} (النساء: 65) وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله
والرسول} (النساء: 59) ومما جاء به الرسول رضاه عن السابقين الأولين،
وعمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، كما قال: {والسابقون الأولون من
المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} (التوبة: 100) ومما جاء به الرسول إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (المائدة: 3) ، ومما جاء به الرسول أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى:
﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (النور: 54) وقال تعالى: {وأنزلنا
إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} (النحل: 44) وقال تعالى: {يا أيها
الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من
الناس} (المائدة: 67) .
ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئا، فإن كتمان ما أنزله الله
إليه يناقض موجب الرسالة، كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن المعلوم
في دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة، كما أنه معصوم من
الكذب فيها. والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره الله، وبين ما أنزل إليه من
ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا
بتبليغه، فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده، كما قال صلى الله عليه
وسلم: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) وقال:
(ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم
عن النار إلا وقد حدثتكم به) وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه
وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما.
إذا تبين هذا فقد صح ووجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله
تعالى من أسماء الله وصفاته مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه، كما كان
عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، الذين
رضي الله عنهم ورضوا عنه، فإن هؤلاء الذين تلقوا عنه القرآن والسنة، وكانوا
يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: لقد حدثنا
الذين كانوا يقرؤننا القرآن: كعثمان بن عفان وغيره أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي
صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل،