له قاعدة يرجع إليها فيها، فيكون على بينة من مراد قائليها منها، فيظهر أنه سمع
أو قرأ قول بعض أهل العلم والرأي: إن اختلاف المذاهب الذي كان مثار الشقاق
والتفرق بين أهل الدين الواحد كالإسلام، إنما كان سببه البدع والأهواء، والتنازع
على الملك أو الجاه، ثم استغلته الأمم والدول الطامعة في ملك أهله واستعمار
بلادهم كما فعل الإنكليز في الهند، وكما يفعلون الآن في العراق؛ ففهم الكلام مقلوبا
أو حرفه بهواه فحمله على اختلاف الأديان، جاهلا أو غير مكترث بالإجماع
ونصوص القرآن، ولو كان كلامه في الخلاف المذهبي بين أهل السنة والشيعة
بقصد جمع كلمتهم لكان يكون له وجه، وكلامه نص في الخلاف بين المسلمين
واليهود والنصارى فلا وجه له.
أي فيصل! إن الخلاف بين اليهود والنصارى منشؤه عدم إيمان اليهود
بالمسيح عليه السلام، وأن الخلاف بين المسلمين من جهة وبين اليهود والنصارى
جميعا من جهة أخرى هو في التوحيد المحض والإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه
وسلم والقرآن، ولم يكن هذا ولا ذاك (دسائس أجنبية دسها بعض الأشخاص أو
الأمم الخارجية) ؛ ليوقعوا الشقاق بين أبناء سام كما زعمت حتى يصح قولك:
(ومتى عرفنا ذلك يرفع من بيننا اسم اليهود والنصارى والمسلمين) ؟
ثم ما معنى قولك بعد هذا: (وإني لا أرى لزوما لتكرار القول، فإنا أولاد جد
واحد، إننا أولاد سام) فهل انتساب الشعوب إلى جد واحد يقتضي عقلا أو طبعا أن
يكونوا على دين واحد؟ كيف وأولاد الأب الواحد القريب قد يختلفون في الدين،
ولو صح قولك لما وجد في الأرض دينان، فإن جميع أهل الأرض من أولاد نوح
أبي سام، ومن أولاد آدم عليهما السلام؟
على أن أهل العراق ليسوا كلهم من أولاد سام كما زعمت، فالمشهور أن
الكلدانيين - وهم أقدم أمم الحضارة في العراق - من أولاد كوش بن حام بن نوح،
وفي البلاد كثير من سلائل الفرس الآريين، ويقال: إن الكرد بدوهم، وقيل: من
عرق آخر، وقيل: بل هم من العرب، ومع هذا فقد سمح فيصل لهم بأن يحافظوا
على جنسيتهم، ثم أي حاجة إلى اشتراط انتساب أهل الوطن الواحد إلى جد واحد
من ألوف السنين، وماذا يقول في الإنكليز الذي يمهد لهم سبيل السيادة الدائمة في
البلاد بخطبته هذه وسائر أقواله وأعماله هل هم من أولاد سام أيضا؟ وهل يقبلون
أن يرتفع اسم النصارى عنهم أو عن بقايا الآشوريين والكلدانيين الذين يتخذونهم
ذريعة لفصم عروة كل اتحاد في العراق، كيف وملك الإنكليز هو حامي الإيمان
المسيحي، وشعبه من أشد شعوب الأرض عناية وبذلا في سبيل نشر النصرانية؟
ومما أودعه الإنكليز في المعاهدة الإنكليزية العراقية حرية دعاة النصرانية في
العراق؛ ليعملوا ما استطاعوا في تحويل المسلمين فيه عن الإسلام.
يا حسرة على فيصل وعلى أبي فيصل وعلى إخوة فيصل! يا حسرة على
أهل بيت ينتسبون إلى خاتم الرسل وسيد ولد آدم ثم يكون هذا حظ أمته وملته ومنهم!
ولماذا هذا كله؟ لأجل التمتع بلقب (ملك) في ظل الإنكليز، ألا بعدا لملك زائل
بل لقب باطل، يتوسل إليه بهذه الوسائل، وصاحبه لا يملك به إلا تنفيذ أمر
الأجنبي فيما يهدم به سلطان أمته وتشريع ملتها.
يبشر الملك فيصل البريطاني أهل العراق بأن مستر لويد جورج الذي زعم
أنه أكبر رجل في العالم قال: (نحن دخلنا العراق، ونرغب أن نجعلها جنات
النعيم) ، وأن العوام ورعاة الإبل والغنم في العراق لترتعد فرائصهم من هذه
البشارة؛ لأنها صريحة في أن الإنكليز لا ينشئون هذه الجنات للعراقيين بل لأنفسهم؛
لأنهم ينوون امتلاك العراق وعدم الخروج منه، وفيصل يعتقد هذا ويرضاه،
ولكنه لا يعلم أن أكثر أهل العراق يفهمونه، كما يعلم أنهم إذا فهموه لا يرضونه،
ولذلك بشرهم به! كأنه لا يقرأ كما يقرءون يوم ما يفعل الإنكليز في السودان وفي
مصر أيضا.
وجملة القول في جواب الاستفتاء أن ما تبادر إلى أفهام الناس في الهند