تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قال قائل: [6] مع تلك الآيات البينات المحكمات المحرضات على الوحدة

والوفاق، ما في المسلمين من التشتت والافتراق، وهم هم في شدتهم في الدين،

والتمسك بعقائدهم الدينية، والإحساس بداعية الحق في نفوسهم فأقول:

إن الأعمال وإن يكن منشؤها العقائد والأفكار، ولكن يكون صدورها موقوفا

على ضرورة وداعية تدعو الإنسان إلى إصدارها، فلا يمكن الارتياب في هذا أن

عقيدة المسلمين بالأخوة الدينية، ثابتة موجودة في نفوسهم، وما طلعت الشمس

عليهم يوما واحدا وهم عنها غافلون، وأما العلل الحقيقية في تباطؤهم عن ارتباط

بعضهم مع بعض، ونصرة إخوانهم في الدين فهي عديدة:

(منها) زوال كل جامعة بين المسلمين في الأغلب ما عدا العقيدة الدينية

المجردة عما يتبعها من الأعمال، فهجر بعضهم بعضا هجرا غير جميل، وانقطع

التواصل، وانعدم التعارف بينهم، فمسلمو الهند في غيبة عن أحوال مسلمي المملكة

العربية والتركية، ومسلمو العرب وفارس في غفلة عن شؤون مسلمي الجزائر

ومراكش.

(ومنها) إيقاد الأعداء نار التشتت والتخالف في المسلمين وإغرائهم بعضهم

على بعض بالحقد والضغينة، حتى كاشفت الأمة الأفغانية بعداوة الأمة الفارسية،

وبارزت الأمة العربية مبارزة للأمة التركية، وهكذا جاهرت القبائل منهم مجاهرة

ضد قبائل أخرى.

فزاد الويل والعويل، وعقب خطب بعد خطب، وحدث كرب بعد كرب،

بإغفال أولي الأمر والرأي من المسلمين عن تأدية ما كلفهم الله تعالى من توحيد

كلمتهم حينما يقع التشتت فيها، وتوثيق روابطهم حينما تنفصم عروتها، حتى

قضى الدهر على المسلمين بالذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله، فأصبحوا

حقراء بعد ما كانوا أجلاء، وأمسوا فقراء بعد ما كانوا أغنياء، ولا سبيل إلى

تخلص الأمة من هذه الرزايا التي حلت بها إلا بتوحيد كلمتها، وجمع شتاتها ونظم

شملها، ولم شعثها، فهذا ما عندي من الحق واليقين، وأظن أن لا يرتاب فيه

العقلاء وأرباب الفكر السليم من المسلمين.

واعلموا يا مولانا أن أكثر ما كتبت إليكم في هذا الكتاب هو من آراء السيد

المرحوم الأفغاني تغمده الله برحمة منه، وإن كانت الألفاظ في شيء من العبارات

مترادفة أو متخالفة متباينة، ففي خاتمة الكتاب مع الإطالة فيه لا يحسنني [7] أن

أختمه، ولا أسألكم إرجاع النظر إلى عبارة واضحة حسنة كتبها السيد المرحوم فيما

نحن بصدده، فخذوا هذا نصها:

(فيا أيتها الأمة المرحومة هذه حياتكم فاحفظوها، ودماؤكم فلا تريقوها،

وأرواحكم فلا تزهقوها، وسعادتكم فلا تبيعوها بثمن دون الموت، هذه هي

روابطكم الدينية، فلا تغرنكم الوساوس، ولا تستهويكم الترهات، ولا تدهشكم

زخارف الباطل، ارفعوا غطاء الوهم عن باصرة الفهم، واعتصموا بحبال الرابطة

الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع فيها التركي بالعربي، والفارسي بالهندي،

والمصري بالمغربي، وقامت لهم مقام الرابطة النسبية، حتى إن الرجل منهم ليألم

لما يصيب أخاه من عاديات الدهر، وإن تناءت دياره، وتقاصت أقطاره، هذه

صلة من أمتن الصلات ساقها الله إليكم، وفيها عزكم ومنعتكم، وسلطانكم وسيادتكم

فلا توهنوها.

ولكن عليكم في رعايتها أن تخضعوا لسطوة العدل، فالعدل أساس الكون وبه

قوامه، ولا نجاح لقوم يزدرون العدل بينهم، وعليكم أن تتقوا الله وتلزموا أوامره

في حفظ الذمم، ومعرفة الحقوق لأربابها، وحسن المعاملة وإحكام الألفة في المنافع

الوطنية بينكم وبين أبناء أوطانكم، وجيرانكم من أرباب الأديان المختلفة، فإن

مصالحكم لا تقوم إلا بمصالحهم، كما لا تقوم مصالحهم إلا بمصالحكم، وعليكم أن

لا تجعلوا عصبة الدين وسيلة للعدوان، وذريعة لانتهاك الحقوق، فإن دينكم ينهاكم

عن ذلك، ويوعدكم عليه بأشد العقاب، هذا ولا تجعلوا عصبتكم قاصرة على مجرد

ميل بعضكم لبعض، بل تضافروا بها على مباراة الأمم في القوة والمنعة، والشوكة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٥٨