الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم والشيخ عبد الله اليونيني والشيخ
القرشي، وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق ومصر
والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين.
كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم، وأن الله سبحانه
ليس هو خلقه ولا جزءا من خلقه ولا صفة لخلقه، بل هو سبحانه وتعالى مميز
بنفسه المقدسة، بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته، وبذلك جاءت الكتب الأربعة
الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وعليه فطر الله تعالى عباده وعلى ذلك
دلت العقول.
وكثيرا ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار،
واندراس شريعة الإسلام، وأن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب الذي يزعم أنه
هو الله، فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله، ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض
وأعظم، وأما على رأي صاحب الفصوص فإن بعض المظاهر والمستجليات يكون
أعظم لعظم ذاته الثابتة في العدم، وأما على رأي الرومي فإن بعض المتعينات
يكون أكبر، فإن بعض جزئيات الكلي أكبر من بعض، وأما على البقية فالكل
أجزاء منه، وبعض الجزء أكبر من بعض، فالدجال عند هؤلاء مثل فرعون من
كبار العارفين، وأكبر من الرسل بعد نبينا محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم -
وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فموسى قاتل فرعون الذي يدعي
الربوبية، ويسلط الله تعالى مسيح الهدى الذي قيل فيه: إنه الله تعالى، وهو بريء
من ذلك على مسيح الضلالة الذي قال إنه الله.
ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -
قال: (إنه أعور) [4] ، وكونه قال: (واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى
يموت) وابن الخطيب أنكر أن يكون النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال
هذا؛ لأن ظهور دلائل الحدوث والنقص على الدجال أبين من أن يستدل عليه بأنه
أعور، فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية، وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى
والحلولية ظهر سبب دلالة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأمته بهذه العلامة،
فإنه بعث رحمة للعالمين، فإذا كان كثير من الخلق يجوز ظهور الرب في البشر
أو يقول: إنه هو البشر - كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا على انتفاء الإلهية
عنه.
وقد خاطبني قديما شخص من خيار أصحابنا كان يميل إلى الاتحاد، ثم تاب
منه وذكر هذا الحديث، فبينت له وجهه، وجاء إلينا شخص كان يقول: أنه خاتم
الأولياء، فزعم أن الحلاج لما قال: أنا الحق. كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه
كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من
النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان من هذا الباب، فبينت له فساد هذا،
وأنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة موسى بن عمران، وكان من خاطبه هؤلاء
أعظم من موسى؛ لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة، وهؤلاء يسمعون من
الجن الناطق، وهذا يقوله قوم من الاتحادية، لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين
الاتحاد العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه وبين الاتحاد المعين
الذي يذهب إليه النصارى والغالية.
وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود
كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحا،
وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان.
وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث من أولئك الجهمية، ولكن السلف والأئمة
أعلم بالإسلام وحقائقه فإن كثيرا من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة، حتى
يتدبرها ويرزق نور. الهدى فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه، وهذا كما
قال بعض الناس: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل
شيء، وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد، فهو يصف ربه بصفات
العدم والموات.
وأما المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد والقلب لا يقصد إلا موجودا لا معدوما،