تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسلمة. وإذا مشى مع آراء الناس فلحد ما يعرف سيرها وغايتها، فإن وجدها

مصيبة، وإلا اتبع الصواب. ولذلك كان ينشأ متوقد القريحة، ثاقب الفكر، صائب

الرأي، وزيادة على ذلك أنه لما كان يشغل عقله كان يجد سرورا من وقوفه بنفسه

على الحقائق، ولذا كان عظيم الشوق إلى المعارف.

(وخلاصة الكلام) أنه لما كان من طبيعة العقل الإنساني العمل بنفسه،

واكتساب المعلومات، إما بواسطة الحواس، وإما بشغله الذاتي، وقد علم بالتجربة

أنه يقوى بالتمرن والتدرب - رأى العرب من الواجب أن تكون الطريقة في تربية

عقولهم إطلاعها على الأشياء، وإرشادها إلى كيفية العمل في الحصول على

المعارف، وتمرينها ما أمكن على الشغل بنفسها. وبما أن اللغة بطبيعتها عبارة عن

ألفاظ موضوعة بالاصطلاح للدلالة على المعاني التي يمكن أن تتناولها الأفكار؛

فمن الضروري لمن يريد التكلم بإحدى اللغات أن يقف على أنواع ألفاظها المفردة

والمركبة، وما تدل عليه من المعاني المتنوعة، وبالطبع لا يحصل المرء على

النجاح في اللغة إلا بثلاثة شروط.

(الأول) أن يلقن مبانيها على وجه الصحة والصواب ليجتنب الأغلاط

اللسانية.

(الثاني) أن يلقن ألفاظها عند قيام معانيها بذهنه، حتى يكون عنده الارتباط

محكما بين الدوال والمدلولات، فيأمن اللبس الناشئ عن استعمال المفردات أو

التراكيب في غير ما تستعمل فيه.

(الثالث) أن يتمرن كثيرا على محاكاة ما تلقاه لتتربى له ملكة النطق على

الهيئة المعروفة فيها، وأن يتعود اختراع الأساليب الكلامية ليكون محاكيا للغة

بعقل، متصرفا فيها بفهم، غير محتاج إلى تلقين مستمر.

(فالطريقة) إذن في تعليم اللغة هي التلقين الصحيح، والتعويد على المحاكاة

التعقلية، وعليها جرى العرب.

***

وأما في تربية الآداب

فقد دل النظر في طبيعة الإنسان على أنه - خصوصا في ابتداء نشأته - يتبع

أكثر مما يبتدع، وتقليداته أكثر من عندياته، وذلك لقلة معرفته بالأمور، وقصور

عقله عن التمييز بين محاسن الأشياء ومساويها. وأفادت التجارب أن طول التعود على الشيء يلحقه بالطبائع؛ فرأى العرب من الحكمة في تربية الأدب أن يكون

للناشئ بينهم أسوة حسنة فيهم، حتى يتعود من صغره على مكارم الأخلاق، فإذا شب

وكبر عقله وجد فيما تعود عليه مثالا واضحا للنصائح الأدبية التي تتناثر عليه حينئذ

من أفواه قومه.

***

وأما في تربية الأجسام

فقد رأوا أنه لا طريق لنماء الأبدان وصحتها غير سياسة البطون، ولا سبيل

إلى القوة وشدة البأس غير رياضة الأجسام، ولا وسيلة إلى إشعار القلوب بالجراءة

إلا اقتحام الأخطار، فعملوا على مقتضى ما علموا.

فقد تبين أن الطرق التي كانت تستعملها العرب في التربية طبيعية عملية،

وهذه الطريقة هي التي يؤيدها العقل وتشهد بصحتها التجارب،وقد تكفلت بالنجاح

لكل من يستعملها. ومن يبغي الوقوف على نتيجة اتباعها في تربية الأخلاق

والأجسام، فليطلع على حال العرب وسيرهم، ومن يحب أن يعرف نتيجة اتباعها في

تربية العقول، فليطالع المنشآت العربية شعرا ونثرا، ويتفهمها جيدا، فإنه يجد فيها كثيرا من العلوم العالية، التي لا يصل إليها إلا فحول أهل المعرفة والدراية.

ولنسق مثالا لهذا الأمر الأخير بعض أبيات الشعر الذي هو موضوع كلامنا،

وننظر إلى الأفكار التي يتضمنها والأساليب التي صيغت عليها معانيها، فإليك

أول بيت منه وهو:

يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد

عبر فيه عن ثلاث صفات للقوم وهي: الحلم المصلح، والغضب الجد،

والعقاب المؤلم، فالصنفان الأولان من المعاني التصورية التي يعرفها الإنسان (في

نفسه) بالوجدان، ويفهمها (من غيره) بالعلامات التي تدل عليها، فعلامة الحلم

السكينة والرزانة مع قيام أسباب الاستفزاز، ومع القدرة على تعجيل الإيقاع

والانتقام، ولا بد من تكرر الأحوال التي تظهر فيها هذه العلامة حتى يصل العقل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٤٧