تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عند سنوحها، وفرنسة تقرب لهم الزمن، وتمهد لهم السبيل، وما هذه بالأولى لها

في ذلك ولا بالثانية ولا بالثالثة ولا بالرابعة.

كنت مرة أتكلم مع أحد فضلاء المصريين منذ بضع عشرة سنة في خداع

الإنكليز للفرنسيس فقال لي: كان يعلمنا التاريخ في المدرسة الخديوية عالم فرنسي

باللغة الفرنسية قبل تحويل التعليم إلى الإنكليزية، فذكر مرة مسألة تاريخية من هذا

القبيل، وقال عقب ذكرها: قد خدعنا الإنكليز في ذلك فانخدعنا، ثم ذكر في سنة

أخرى مسألة مثلها وقال هذا القول، فذكرته بالمسألة الأولى وقلت له: وكيف

انخدعتم لهم ثانية وقد علمتم أولا أنهم خدعوكم؟ قال: وهل وقف الأمر عند هذا

الحد؟ كلا، إنهم سيخدعوننا أيضا فننخدع.

لا يحسبن أحد أنني أقول هذا للإيقاع بين الدولتين كما هو دأب كتاب السياسة،

إنني لست مغرورا بنفسي إلى هذا الحد، إنما أنا أكتب ما أعتقد، ولست أستنبط

اعتقادي هذا من الثورة السورية الحاضرة، بل أنا أعتقده منذ علمت بنبأ معاهدة

(سايكس بيكو) في اقتسام الدولتين لبلادنا، وقد قلته لكثيرين أذكر منهم شاهدين

سوريين وشاهدا فرنسيا:

إنني عقب هدنة الحرب الكبرى وبعد احتلال فرنسة لسواحل سورية ابتعت

طائفة من الأقمشة لإرسالها إلى أهل بلادنا (القلمون) بجوار طرابلس الشام؛

لكسوة من تركتهم الحرب فيه عراة لا يجدون ما يكتسبون به، فقيل لي: إن فرنسة

تمنع ذلك، ولا بد من إذنها، فذهبت إلى دار معتمدها السياسي لطلب الإذن، فلقيت

عند السكرتير الشرقي للمعتمد (وهو فرنسي يعرف العربية) حقي بك العظم

وخليل أفندي زينية المشهورين، فجرى بيننا حديث في موضوع سورية أفضى

إلى أن قلت للثلاثة: إنكم تعلمون أنني داعية استقلال لوطني، لا أرضى بحماية

ولا وصاية من فرنسة ولا إنكلترة، وأقول لكم الآن: إنني أعتقد اعتقادا مبنيا

على طول التفكر والتروي أرجو أن تسمعوه وتكتبوه في مذكراتكم، وتدعوه

للزمان يصدقه أو يكذبه، وهو أن سورية لن تكون في المستقبل لفرنسة، بل هي

ستكون مستقلة خالصة لأهلها إن شاء الله، أو لإنكلترة لا سمح الله.

ولا يستطيع أحد من الفرنسيس ولا من أشياعهم أن يتهمني بأنني من حزب

الإنكليز أو أبث الدعوة لهم، فإنهم جميعا يعلمون أنني خلفت أستاذنا الأكبر السيد

جمال الدين في الجهر بمعارضة السياسة البريطانية في المسألة العربية والمسألة

الإسلامية بما يعلمون من الشدة، وأنني ما اشتددت في معارضة سياسة الشريف

حسين وأولاده لجهلهم وظلمهم وسوء تصرفهم فقط، بل ذنبهم الأكبر أنهم صنيعة

الإنكليز ويعملون لهم، وقد صرحت لكل من كلمته في هذه المسألة من كبار رجال

فرنسة كغيرهم بأننا نعلم كغيرنا من الواقفين على أحوال الدول والأمم أن إنكلترة

ألين ملمسا وأحسن سيرة في الاستعمار من فرنسة، كما يشهد بذلك الدكتور

غوستاف لوبون أكبر فلاسفة الاجتماع والتاريخ في فرنسة نفسها، وكنا نعلم هذا

قبل أن نقرأ كتب هذا العالم الكبير، وقبل أن نرى في بلادنا شرا مما كنا نسمع

ونقرأ من أخبار مستعمراتها الإفريقية، فماذا نقول اليوم؟ وقد عملوا في الشام ما لم

يسمع بشر منه في تاريخ الشعوب الهمجية كلها إلا أن تكون فظائع التتار، ولقد ثار

أهل العراق وأهل مصر في وجوه الإنكليز، وقتل العراقيون في ثورتهم من الجنود

البريطانية أكثر مما قتل السوريون من الجنود الفرنسية أضعافا، ولم تفعل جنود

إنكلترة في القاهرة ولا في بغداد مثل ما فعلت جنود فرنسة في دمشق وحماه، دع

تدميرها لقرى الفلاحين على رؤوس أطفالهم، نعم إن الإنكليز فعلوا نحوا من هذا

في الهند، ولكنهم لم يبلغوا شأو الفرنسيس ولا قاربوا.

وجملة القول في هذه المسألة أن فرنسة تمهد لإنكلترة في سورية اليوم كما

مهدت لها في مصر من قبل بطبعها لا بطوعها، وإنها لن تستطيع أن تبقى في

سورية إلا تحت رحمة الإنكليز ولهذه الرحمة أجل وغاية، وإنها لا بد أن تؤدي لهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٣٩