تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتابا اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة

لطيفة إلى حال هؤلاء، ولم يكن القصد به والله واحدا بعينه، وإنما الشيخ هو

مجمع المؤمنين فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به، وأما هؤلاء

الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم.

وقد كتبت في ذلك كتابا ربما يرسل إلى الشيخ، وقد كتب سيدنا الشيخ عماد

الدين في ذلك رسائل والله تعالى يعلم وكفى به عليما. لولا أني أرى دفع ضرر

هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات - وهو شبيه

بدفع التتار عن المؤمنين - لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكتشف

أسرار الطريق وتهتك أستارها، ولكن الشيخ - أحسن الله تعالى إليه - يعلم أن

مقصود الدعوة النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل أن

يكون الدين كله لله، هو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى: {إنا أرسلناك

شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} (الأحزاب: 45-

46) ، وقال سبحانه: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن

اتبعني} (يوسف: 108) وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم *

صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} (الشورى: 52-53) ، وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد الذي أنزل الله تعالى

به الكتب، وبعث به الرسل بالاتحاد الذي سموه توحيدا، وحقيقته تعطيل الصانع

وجحود الخالق، وإنما كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربي، ويعظمه لما

رأيت في كتبه من الفوائد: مثل كلامه في كثير من الفتوحات، والكنة، والمحكم

المربوط، والدرة الفاخرة، ومطالع النجوم، ونحو ذلك، ولم نكن بعد اطلعنا على

حقيقة مقصودة، ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله

نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب

علينا، فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون، وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية

والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان، وكذلك كتب إلينا من أطراف

الشام رجال سالكون، أهل صدق وطلب، أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم،

والشيخ - أيده الله تعالى بنور قلبه، وذكاء نفسه، وحق قصده من نصحه للإسلام

وأهله ولإخوانه السالكين - يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه، ومغفرته

في الدنيا والآخرة.

(له بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) الظاهر أن البدود جمع بد بالضم، وذكروا أن جمعه بددة وأبداد وبوت بالفارسية الصنم.

(2) كذا ولعل أصله الشريعة المحمدية.

(3) ومنه أثر عمر في الطاعون: نفر من قدر الله إلى قدر الله.

(4) لعلها المغبهات فإنها أعم.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٢١