وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم وإلا فهو لا يستمر، وهو كثير في المتألهة
الخارجين عن الشريعة خفو العدو (؟) وغيرهم، فإن لهم زهادات وعبادات فيها
ما هو غير مأمور به فيفيدهم أحوالا فيها ما هو فاسد يشبهون من بعض الوجوه
الرهبان وعباد البدود [1] .
ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى
القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق
للحق، والولي من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا له، وهذا الذي قاله الشيخ
تكلم به على لسان المحمدية [2] ؛ أي: إن المسلم مأمور بأن يفعل ما أمر الله به،
ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت، فيدفع قدر الله بقدر الله كما
جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي - صلى الله تعالى
عليه وسلم -: (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض) ، وفي الترمذي
قيل: يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها هل
ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: (هن من قدر الله) [3] وإلى هذين المعنيين أشار
الحديث الذي رواه الطبراني أيضا عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه
قال: (يقول الله: يا ابن آدم إنما هي أربع: واحدة لي، وواحدة لك: وواحدة بيني
وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي؟ فأما التي لي: فتبعدني لا تشرك بي شيئا، وأما
التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما التي هي بيني وبينك فمنك
الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي فأت إلى الناس بما تحب أن يؤتوه
إليك) .
ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الإلوهية والربوبية أو توحيد أحدهما للعبد فيه
ثلاث مقامات: (أحدها) مقام الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات
والمأمورات , (والثاني) مقام الجمع والفناء، بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده،
وبمعبوده عن عبادته، وبموحده عن توحيده، وبمذكوره عن ذكره، وبمحبوبه عن
حبه، فهذا فناء عن إدراك السوى، وهو فناء القاصرين.
وأما الفناء الكامل المحمدي فهو الفناء عن عبادة السوى والاستعانة بالسوى
وإرادة وجه السوى، وهذا في الدرجة الثالثة، وهو شهود التفرقة في الجمع،
والكثرة في الوحدة، فيشهد قيام الكائنات مع تفرقها بإقامة الله تعالى وحده وربوبيته،
ويرى أنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وأنه على كل شيء وكيل، وأنه
رب العالمين، وأن قلوب العباد ونواصيهم بيده، لا خالق غيره ولا نافع ولا ضار
ولا معطي ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه، ويشهد أيضا فعل المأمورات
مع كثرتها وترك الشبهات [4] مع كثرتها لله وحده لا شريك له.
وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء، والإسلام العام
والإيمان العام، وبه أنزلت السور المكية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {شرع لكم
من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى
وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى: 13) وبقوله: {واسأل من
أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} (الزخرف:
45) ، وبقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا
الطاغوت} (النحل: 36) ؛ ولهذا ترجم البخاري عليه (باب ما جاء أن دين
الأنبياء واحد) .
وقد قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من
آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم
يحزنون} (البقرة: 62) ، فجمع في الملل الأربع {من آمن بالله واليوم الآخر
وعمل صالحا} (البقرة: 62) ، وذلك قبل النسخ والتبديل، وخص في أول الآية
المؤمنين وهو الإيمان الخاص الشرعي الذي قال فيه: {لكل جعلنا منكم شرعة
ومنهاجا} (المائدة: 48) ، والشرعة هي الشريعة، والمنهاج هو الطريقة، والدين
الجامع هو الحقيقة الدينية، وتوحيد الربوبية هو الحقيقة الكونية، فالحقيقة