تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العباس أحمد بن تيمية الحراني، فسح الله تعالى في مدته، وأعاد علينا من بركته،

إلى الشيخ القدوة أبي الفتح نصر المنبجي سنة أربع وسبعمائة:

بسم الله الرحمن الرحيم

من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر،

فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين

الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته،

وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته، وإرادته ومحبته، حتى يظهر

للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين

الصالحين، ومن تشبه بهم من المنافقين، كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته.

(أما بعد) : فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ، وأنعم به نعمة باطنة

وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علوا في

الأرض ولا فسادا منزلة علية، ومودة إليه لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة

والقصد، فإن العلم والإرادة، أصل لطريق الهدى والعبادة، وقد بعث الله محمد -

صلى الله عليه وسلم - بأكمل محبة في أكمل معرفة، فأخرج بمحبة الله ورسوله

- التي هي أصل الأعمال المحبة التي فيها إشراك وإجمال، كما قال تعالى:

{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا

لله} (البقرة: 165) ، وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم

وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها

أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} (التوبة: 24) .

ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيماني والوجد الديني كما في

الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاث من

كن فيه، وجد حلاوة الإيمان في قلبه، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما،

ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن

أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) ، فجعل صلى الله عليه وسلم وجود حلاوة

الإيمان معلقا بمحبة الله ورسوله الفاضلة، وبالمحبة فيه في الله وبكراهة ضد

الإيمان.

وفي صحيح مسلم عن العباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

(ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا) ،

فجعل ذوق طعم الإيمان معلقا بالرضى بهذه الأصول، كما جعل الوجد معلقا بالمحبة؛

ليفرق - صلى الله عليه وسلم - بين الذوق والوجد - الذي هو أصل الأعمال

الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة - وبين ما أمر الله به ورسوله، وبين غيره، كما قال

سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل؛ إذ كان

كل من أحب شيئا فله ذوق بحسب محبته.

ولهذا طالب الله تعالى مدعي محبته بقوله: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني

يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} (آل عمران: 31) قال الحسن البصري: ادعى

قوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله؛ فطالبهم بهذه الآية،

فجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله، وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة

الرب عبده. وقد ذكر نعت المحبين في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم

ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون

لومة لائم} (المائدة: 54) ، فنعت المحبين المحبوبين بوصف الكمال - الذي

نعت الله به رسوله - الجامع بين منى الجلال والجمال المفرق في الملتين، قلنا: وهو

الشدة والعزة على أعداء الله، والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله، ولهذا يوجد

كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق كما قال فيه كبير من كبرائهم:

مشرد عن الوطن ...

مبعد عن السكن ...

يبكي الطلول والدمن ...

يهوى ولا يدري لمن؟ ...

فالشيخ - أحسن الله إليه - قد جعل فيه من النور والمعرفة الذي هو أصل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢١٧