تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الضرائب، وفصل الخصومات، وإقامة الحدود، وتجهيز الجيوش، وسد الثغور،

وقهر المتغلبة، وبالجملة سائر ما يعود على المجتمع الإسلامي بالخير والمصلحة.

قالوا: ومتى استقرت الخلافة العامة لمن هو لها أهل، فلا بد من استنابته في

بعض الوظائف الموكولة إليه أناسا ذوي كفاءة وعلم ودين: كالوزارة، والإمارة،

والجباية والقضاء، وغير ذلك من الوظائف التي لا يمكن مباشرة جميعها بنفسه،

والاستنابة فيها أصح في التدبير، وأدفع للخلل، وأجمع للنظام. وأهم الوظائف

التي يستنيب فيها هي الوزارة.

الوزارة

اعلم أن الوزارة مرتبة جليلة من مراتب الدولة التي ينتظم بها الملك، وتشاد

عليها دعائم الدولة؛ لهذا اشترط العلماء في الوزارة ما اشترطوه في الخلافة من

الأحكام الجامعة لأوصاف العدل: كالأهلية، والكفاءة، والعلم، والصحة، والعقل.

وروي عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه

وسلم - أنه قال: (إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره،

وإن ذكر أعانه. وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره،

وإذا ذكر لم يعنه) ، وقالوا: إن الوزارة على ضربين، وزارة تفويض (للحكومات

المعتدلة) ووزارة تنفيذ (للحكومات المطلقة) .

فأما وزارة التفويض فهي: أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور

برأيه وإمضاءها على اجتهاده. وهذه بمثابة ما يسمونه الآن الوزارة المسؤولة في

الحكومات المعتدلة؛ لأن للوزير فيها - متى استكملت فيه الشروط المعتبرة في

وزارة التفويض - أن يحكم بنفسه، وأن يقلد الحكام، وأن ينظر في المظالم أو

يستنيب فيها، وأن يتولى الجهاد بنفسه، وأن يقلد من يتولاه، وأن يباشر الأمور

التي دبرها أو يستنيب فيها [1] .

وبالجملة فقد قالوا في هذه الوزارة: إن كل ما صح عن الإمام صح عن

الوزير إلا ثلاثة أشياء: (أحدها) ولاية العهد، (والثاني) أن للإمام أن يستعفي

الأمة من الإمامة، وليس ذلك للوزير، (والثالث) أن للإمام أن يعزل من قلده

الوزير، وليس للوزير أن يعزل من قلده الإمام. وما سوى هذه الثلاثة فحكم

التفويض إليه يقتضي جواز فعله، على شرط أن يطالع الإمام بما أمضاه من تدبير

وأنفذه من ولاية؛ لئلا يستبد بالأمر دون الإمام، وللإمام أن يتصفح ما يعرضه عليه

الوزير؛ ليقر منه ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه، إلا الحكم في حق فإنه

ينفذ على وجهه، أو في مال وضع في حقه، فإنه ليس للإمام استرجاعه.

ووجه جواز هذه الوزارة في الإسلام، مأخوذ من قوله تعالى في القرآن حكاية

عن موسى: {واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري *

وأشركه في أمري} (طه: 29-32) فإذا صح مثل هذه الوزارة في النبوة فإنها

في الخلافة أولى.

وأما وزارة التنفيذ فإن النظر فيها مقصور على رأي الإمام وتدبيره، بحيث

يكون الوزير كالواسطة بين الإمام والرعية، ينقل إليه ما وقع، ويؤدي عنه ما أمر،

ويمضي عنه ما حكم، وينفذ ما ذكر. وهذه الوزارة بمثابة ما يسمونه الآن

الوزارة المقيدة في الحكومات المطلقة، ومعنى تقييدها رجوعها في كل عمل إلى

رأي السلطان وأمره فيما يراه، ويشترط في هذه الوزارة أوصاف الأمانة والصدق

والفطنة كي لا يكذب فيما يبلغ، ولا يخون فيما يؤدي، ولا يدلس عليه، ولا يبعد

الصواب عنه، وينسب التساهل في أمور الناس إليه.

وقد رأيت كيف أن موسى الكليم - عليه السلام - طلب أن يجعل الله له

وزيرا من أهله وهو أخوه هرون، وأما نبينا محمد عليه الصلاة والسلام فقد أشار

إلى فضل الوزارة وما فيها من الموازرة بقوله عليه الصلاة والسلام: (وزيراي من

أهل السماء جبريل ومكائيل، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر) [2] :

أي أن الملائكة توازره بالوحي من السماء، وأبو بكر وعمر يوازرانه في الرض.

وأما بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان أبو بكر يرجع في المشورة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢١١